مصابيح القبور!

مصابيح القبور!

منعم سليمان

لا أحد في السودان تنطبق عليه علامات النفاق الكاملة – بحسب المعايير الدينية الإسلامية – مثل “المصباح أبو زيد حمزة”، قائد كتيبة الموت التابعة للحركة الإسلامية المعروفة باسم “البراء بن مالك”، ومنها العلامة الكبرى: النداء للقتال والتخلف عنه!

هذا الشاب النحيف الخفيف بدنًا وعقلًا، ما فتئ يصمّ آذاننا منذ بداية الحرب التي أشعلتها جماعته، صارخًا بالقتال ومناديًا بالجهاد، ولما اشتد أوار الحرب لم يره أي أحد وهو يتقدم جموع قومه مقاتلًا!

معركته الوحيدة تجرى على حائط صفحته في فيسبوك؛ من مأمنه يكتب كلماتٍ تلمع كالسيوف، تقطر حماسةً في آذان البسطاء، ولا سيف رأيناه يحمله بيده؛ يحرض على الزحف ثم يتولّى عنه تاركاً الآخرين يختبرون الموت نيابة عنه!

أمس، وجه هذا الهلفوت نداءً على صفحته في فيسبوك، ممارساً جهاده “الفيسبوكي” المعتاد، مطالباً بإعلان حكومة حرب، منادياً بأن يلبس رئيس وزراء سلطته للزيّ العسكري – وكأن التي في بورتسودان حكومة سلام، وكأن الدمية التي يجلس على سدّتها حمامة!

وواصفاً الحرب بأنها “حرب وجود”، وقد صدق فيما يقول؛ فهي كذلك بالنسبة لهم، فلم يشعلوا الحرب إلا من أجل وجودهم في السلطة، وأمّا السودان وشعبه فلا خطر وجودي يتهدده مثل وجوده هو وقومه.

وطالب في نداءه بتعميم القتال، وإعلان الخدمة العسكرية الإلزامية؛ أي العودة إلى أيام “جهادهم” سيئة الذكر في جنوب السودان، عندما كان الطلاب والشباب يُساقون عنوة من الشوارع ويُرسَلون إلى الجنوب، ثم لا يعود منهم أحد، ولا يسمع عنهم أهلهم إلا خبر تزويجهم بحوريةٍ من حور الجنة، دون أن تسنح لهم الفرصة إلقاء نظرة أخيرة على جثمان الابن العريس، أو على الأقل رؤية أصهارهم الجدد من الحور!

إنه الدجل القديم الذي تعقبه الهزيمة!

إن هذا المصباح يمثل أنموذجاً حقيقياً لشخصية “الكوز” في أنصع تجلّياتها؛ يُتقن التحريض أكثر مما يُتقن التضحية، ويريد أن يصل على جثث الآخرين، ويموت غيره كي يعيش هو ويتمتع بمكاسب موتهم، أو أن يُحرق الوطن ليُدفأ هو على رماد سلطته!

شخصياً يمكنني أن أراهن من يشاء على ثلاثة من الكيزان هم الأعلى صوتاً والأكثر تحريضاً؛ ” المصباح هذا، وناجي مصطفى، وناجي عبد الله”، بأن أحداً منهم لن يموت برصاصة في ساحة من ساحات الحرب. قد تبتلعهم حمى الضنك، أو يموتون بفضيحة، أو حول مغنمٍ ومكسب، أو بأي شكل من أشكال السخرية التي يكتبها التاريخ، لكنهم لن يموتوا أمام البندقية التي يحرّضون عليها؛ فهذه قطعاً ليست من نصيبهم!

إن دعاة الحرب جميعهم قتلة لا يريدون القتال، ومحرضون يهربون من النزال، ورعاديد يدفعون البسطاء إلى الموت في معركة وجودهم، وجبناء يصنعون البطولة من الكلام، فيما بطولتهم الحقيقية زينة لغوية تجدها في بيانات التحريض وحوائط الفيسبوك، وأصوات على قناة الجزيرة- تلك القناة التي صُنعت خصيصاً لإرجاع التاريخ إلى عهوده السحيقة!

*إنهم جميعهم مصابيح .. مصابيح لا تضيء إلا صوب القبر، مثل هذا المصباح*.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com