عام بدون محمد المكي إبراهيم

عام بدون محمد المكي إبراهيم

صلاح الأمين

عندما اشتعلت ثورة أكتوبر، كان الطالب محمد المكي إبراهيم في سنته النهائية بكلية القانون بجامعة الخرطوم، وذلك بعد أن قضى قبلها نحو سنتين في ألمانيا برفقة صديقه الطالب وقتها الشاعر الكبير النور عثمان أبكر…. ولما حمل لوري إدريس جثمان الشهيد أحمد قرشي طه لقريته القراصة كان محمد المكي ضمن ثلة من طلاب وطالبات الجامعة رافقوا الجثمان.. وعند عودته للخرطوم وبعد أن سقاهم والد الشهيد عصير كركدي بلون دم الشهيد غرد محمد المكي بنشيده الشهير (أكتوبر الأخضر) ليلحنه ويغرد به الفنان محمد وردي، ويلحقه بنشيد لا يقل شهرة عن سابقه (جيلي أنا)..ليضاف لأناشيد اكتوبرية أخرى لم تلحن لكنها رسخت وسارت بها الركبان بتعابيرها الاكتوبرية مثل (في الأربعاء الرائعة) و (الغاز البذئ) ليدمغ محمد المكي بشاعر الاكتوبريات…

اسمه (محمد المكي) وهو اسم مركب، واسم والده إبراهيم، إلا انه اختلط على الكثيرين/ات فاصبحوا ينادونه بود المكي وهو خطأ شائع… والإسم المركب شائع عند الأسر السودانية الصوفية فمحمد المكي إبراهيم ينتمي لواحدة من اشهر الأسر الصوفية بالسودان وهي اسرة الشيخ الكردفاني سيدي إسماعيل الولي ولهذه الأسرة ينتمي أيضا الزعيم إسماعيل الازهري ….ومحمد المكي ابراهيم تربطه صلة قرابة من ناحية الام بالفنان الكبير الراحل محمد ميرغني ..

محمد المكي من مؤسسي تيار الغابة والصحراء بجانب كجراي، النور عثمان أبكر، محمد عبدالحي وآخرون …وكان على علاقة بالابادماكيين عند تأسيسهم لتيارهم…..

في أمسية صيفية خرطومية بمنزل الأصدقاء صافيناز حاج الطاهر وعبدالله ود السجانة بكمباوند ساريا جنوب الخرطوم، وفي حضور العديد من الأصدقاء والصديقات من بينهم الشاعر محمد مدني، دكتور إسماعيل الفحيل، راشد سيد احمد، بروف عبد الباسط ميرغني، الفنان عزالدين، فريد إدريس وموسى جودة ومحي وحذيفة الجلاد وأماني وأميمة عثمان ورشا واخرون وآخريات وكان ضيف شرف الأمسية محمد المكي إبراهيم والذي اشجانا بحديثه العذب عن ثورة أكتوبر ، فتذكر مرافقته لجثمان الشهيد قرشي وكتابته لقصيدة (أكتوبر الأخضر )..وهنا قلت له مداعبا: يعني كنتو وقتها لجان مقاومة؟ فضحك وواصل في حديثه الشيق ، حيث ذكر انه جاء الخرطوم لأول مرة على متن لوري اوستن، وهو نوع عربة بريطانية الصنع كانت مشهورة في تلك الأيام….. وبعد نهاية السهرة اوصلته بعربتي لمنزله بالرياض ،برفقة صديقنا محمد مدني ، وفي اليوم الثاني هاتفت شقيقي احمد الأمين بلندن وقلت له اني كنت سعيد بأن أوصلت بعربتي الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم ، فأقترح احمد ان اكتب على المقعد الذي جلس عليه بالعربة : هنا جلس الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم ، مثلما فعلت إدارة مطار هيثرو اللندني الشهير، عندما مر به مسافرا الملاكم محمد على كلاي يوما ما وجلس في صالة الانتظار ، فقد كتبوا في المقعد الذي جلس فيه : هنا جلس الملاكم محمد علي كلاي ..!!

ولد الشاعر محمد المكي إبراهيم عام ١٩٣٩ بحي القبة العريق بمدينة الأبيض ، ودرس بها وبثانوية خورطقت العريقة قبل أن ينتقل لجامعة الخرطوم حيث تخرج من كلية القانون جامعة الخرطوم ، ليعمل لفترة قصيرة بالمحاماة قبل أن يلتحق بوزارة الخارجية ليتدرج بها حتى يصل لدرجة السفير …وعمل الأدباء والشعراء السودانيين بالخارجية كان شائع قبل أن تجتاحها قوى الظلام وعديمي الخيال فقد عمل بها :جمال محمد احمد ، منصور خالد ، عبدالهادي الصديق ، صلاح أحمد إبراهيم، الحردلو…واخرون.

اخر مرة التقيت الراحل محمد المكي ابراهيم ، كان ذلك قبل ايام قليلة من حرب الاشرار،في حفل زواج يزن ، ابن صديقنا الفنان الكبير ابوعركي البخيت(عركي غنى لود المكي بعضا من قصيدته الزنجبارية : بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت )… وجلسنا معا برفقة الراحل الاستاذ كمال الجزولي وصديقنا ياسر عرمان وحنان القاضي ، وكان كمال ومحمد المكي قادمين من مدينة الجنينة بالطائرة في نفس اليوم بعد ان حضرا مهرجان بلاد النور هناك..

اليوم مر عام على رحيل محمد المكي إبراهيم فعزاء للشعب السوداني وعزاء خاص للكردفانيين والكردفانيات ولأسرة الشيخ إسماعيل الولي ..

البورتريه  من اعمال الفنان عماد عبدالله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com