أسمرا وجاكومي… وجيشٍ لم يعد جيشاً!

أسمرا وجاكومي… وجيشٍ لم يعد جيشاً!

منعم سليمان

في بلادٍ تُمجِّد البندقية فوق الإنسان، وتكتب خرائطها بمداد المدافع، لا عجب أن تُرسم سيادتها خارج حدودها، وتصبح متنقّلةً بين عواصم الدول ومعسكرات تدريب المرتزقة على سواحل مصوّع وسهول إقليم القاش.

إذ تلاشت السيادة، ولم يعد لها جدارٌ تسند إليه رأسها، ولا “دولة” حتى يكون لها وجهٌ تصونه من صفعات الإهانة المتكرّرة.

فقد أصبحت ساحتها السياسية حكرًا لأهل العيّ والغيّ، وصارت رُتبها العسكرية تُباع على الأرصفة جنباً إلى جنب مع مجلِّبات السرطان: الفريق بجنيه، والمارشال بجنيهين، والقائد.. فوق البيعة!

واختلط اللواء بقائد الميليشيا، وسقط الوطن؛ لا برصاص عدوٍّ خارجي، بل بخيانة جيشٍ صار أصغر من ميليشيا، وأحقر من مجموعة مرتزقة!

آخر فصول الانحدار الوطني هو ما تفوّه به المدعو محمد سيد أحمد، الملقب بـ”الجاكومي” – وهو معتوه فاقد لأي مكرمة أو مؤهِّل يجعله أهلًا للخوض في الشأن العام: متعصّب بذيء خرج من مساطب “الهوليغانز” في ملاعب كرة القدم، ونكرةٌ تسلّق من فوضى الرياضة إلى سوق الحروب.

قال هذا الجهول إنه يعتزم قيادة وفد من “قيادات” شمال السودان إلى العاصمة الإريترية أسمرا، لإلحاق خمسين ألف شاب سوداني من أبناء الشمال بمعسكرات التدريب العسكري التي يفتحها الديكتاتور أسياس أفورقي، ذلك الطامع في تمزيق السودان، المتربّص بشرقه!

حديثٌ يقطر خيانة، تفوّه به هذا المعتوه؛ فالجيش الذي تُدرَّب أمامه دولٌ أخرى ميليشياتٍ مسلّحة من أبناء شعبه، لم يعد جيشًا، بل مجموعة خونةٍ يعملون كواجهات لتفكيك الدولة… وفكرة الوطن.

إريتريا، التي حوّلها “أفورقي” إلى كهفٍ مظلم من القرون الوسطى، تحاول أن تُعيد تشكيل محيطها على صورتها: دولٌ محكومة بفوّهات البنادق وزخّات الرصاص، يأكل فيها القويّ الضعيف.

فقد درّبت قوات المرتزق مني أركو مناوي، وكتائب الشرق، وها هي اليوم تفتح أبوابها لـ “شباب الشمالية ونهر النيل”، في سابقة مهينة لم يعرفها السودان، حتى في أكثر لحظاته ضعفًا وانكسارًا.

وما كان لهذا أن يحدث، لولا أن سيادة السودان قد أصبحت سلعة بيد عبد الفتاح البرهان ومن معه، يبيعونها بثمنٍ بخس في سوق العودة إلى القصر، حيث ينتظرهم “سادتهم” من الكيزان.

إنّ السيادة لا تُنهب .. بل تُسلَّم.

وهذه القيادة سلّمتها طوعًا، راضيةً، صاغرة.

وسيسجّل التاريخ أنّ هذا لم يكن جيشًا، بل عصبة من الخونة والعملاء، وأن بلادنا لم تُهزم بسلاح عدوٍّ خارجي، بل برغبة إخوان الداخل، الذين أشعلوا الحرب من أجل العودة وإعادة إنتاج الفساد، فصار تراب الوطن ساحة تجريبٍ للمرتزقة، وحدوده ممرّاتٍ مفتوحة لجيوش الجوار.

أسمرا تُدرّب المليشيات، والجيش يبارك، وسيادة بلادنا تُذبح على مذبح الكيزان، الذين لا يريدون وطنًا يجمع السودانيين، بل سلطةً فوق جماجمهم… وعلى ركام الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com