كيزان قتلة وبرهان متوحش.. (1-2)

علي أحمد يكتب: كيزان قتلة وبرهان متوحش.. (1-2)

سنوات بلغت نصف قرن من الزمان، عشتها في هذه الدنيا منذ مولدي وحتى هذه اللحظة؛ عشتها شأني شأن غيري بكل حلوها ومرها، كسبت وفقدت فيها الكثير. ولكني وطوال هذه المدة الطويلة لم أحرص على الحفاظ على شيء بقدر حرصي على الحفاظ على إنسانيتي. ظل هاجسي الأول والأخير ألا أسمح لكائنٍ من كان أن يسلبني ويجردني من إنسانيتي، وما فائدة الجسد دون قلب وما جدوى الرأس بلا عقل؟.

إن مناسبة هذه المقدمة الخاصة، ومكانها الطبيعي دفتر الخواطر لا متون المقالات، هو احساس انتابني منذ أيام، لم أحس به طوال حياتي؛ لا حزن ولا فرح ولا أسى أو سرور ولا شماتة أو مواساة.

وقد أقلقني هذا الاحساس كثيراً، إذ إن فقدان حس التضامن هو أول درجات فقدان الانسانية، وهنا بدأت نفسي تنازع نفسي؛ كيف يمكن للمرء أن يتضامن مع آخر في فقدان ولده، وهذا الآخر هو نفس الشخص الذي قتل ولده وأثكل أمه واغتال حلمه. وهل من الحصافة وحسن السؤال أن يسأل من هو يلهث من شدة العطش عن شعوره ومدى تضامنه في هذه اللحظة مع عطشان آخر يستجير؟ وهل من المنطق أن تسأل المكلوم على أن يبكي من فقد عزيز لديه، وكان هذا الذي فقد عزيز لديه هو نفسه من أفقدك أهل وأسرة وأحبة وأصدقاء أعزاء لديك، بل أفقدك وطن هو الأعز لديك؟

أصدقكم القول إن كل هذه الأحاسيس والأسئلة انتابتني في الوهلة الأولى عند سماعي بخبر وفاة ابن قائد الجيش الانقلابي “عبد الفتاح البرهان” في حادث سير بالعاصمة التركية “أنقرة”، والموت حق علينا جميعاً، وكفى به واعظاً ودليلاً.

وأصدقكم القول – مرة أخرى- انني تخلصت من هذه المشاعر التي باغتتني بعد أن سألت نفسي: هل حقاً أريد أن أواسي هذا المجرم القاتل؟ وكانت الإجابة (لا أستطيع)، وقادتني هذه الإجابة إلى سؤال آخر، وهو: هل أريد أن أصبح نسخة أخرى كريهة شبيهة بهذا المجرم القاتل وكيزانه؟ وكانت الإجابة حازمة وحاسمة (قطعاً لا). إنه يريدنا أن نصبح نسخة متوحشة أخرى تحمل صورته وصورة كيزانه الكريهة، نسعد بموت الأبرياء وبدماء الشباب الزكية، ونتلذذ ببكاء الأرامل واليتامى من الأطفال الذين فقدوا آباءهم، يريدون أن ينزعوا الرحمة من قلوبنا، وما فائدة القلب أن انتزعوا الرحمة منه؟ وما الفرق بين من ينزعون القلوب بالسكاكين وبين من له قلب بلا رحمة؟ لا لسنا مثلهم ولن نصبح مثلهم.

 

شاهدت والألم يعتصرني الجريمة الحيوانيّة المتوحشة التي حدثت اليوم، والتي ارتكبها عناصر من الجيش البرهاني الكرتي الكيزاني الداعشي بحق أفراد من المواطنين، اعتقدوا انهم ينتمون إلى المكونات الاجتماعية أو المناطقية الغالبة لقوات الدعم السريع، فقتلوهم وقطعوهم بسكاكينهم وانتزعوا قلوبهم وأكبادهم واحشاءهم ولوحوا بها أمام جموع الهائجين والموتورين والعنصريين، الذين كانوا يكبرون ويهللون، وكأنهم أمام “بهيمة” تنطبق عليها شروط الذبح الحلال، وليس أمام مدنيين أعزلين تم قتلهما، ويجب إكرامهما بدفنهما، لا تقطيع أجسادهما والتمثيل بجثتيهما بهذه الطريقة الحيوانية، التي لا توجد حتى في أكثر أفلام الرعب رعباً، وهي جريمة حرب مكتملة الأركان كان ضحيتها (2) من المواطنين، إلا انها شهدت موت عشرات بل مئات وآلاف القلوب، وربما ملايين القلوب. فكل من لم يكتب ويدين ويوزع وينشر عنها، هو مجرم بلا قلب ومشارك في هذه الجريمة النكراء.

اعترف ربما كانت هذه كتابة عاطفية فرضتها عليَّ المشاهدة الصادمة للجريمة، إذ لم احتمل الصمت حتى الغد، ومن يصمت عنها لحظة فهو آثم يجب عليه أن يتفقد قلبه وعقله. وغداً أعود وأكتب عن هذه الجريمة الشنيعة، وعن مالاتها ومالات الحرب، وعن عدم العدالة في الإدانة، بل التواطؤ الكامل من مجموعات كبيرة من الشعب السوداني، ومن مؤسسات اعلامية اقليمية ودولية متواطئة مع جرائم الجيش وكيزانه.

الخزي، والعار للبرهان وكرتيه وكيزانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى