من السِر إلى العَلن: تطبيع الخرطوم وتل أبيب.. استمرار الجدل

من السِر إلى العَلن: تطبيع الخرطوم وتل أبيب.. استمرار الجدل

الخرطوم- مريم أبَّشر

تتداول الوسائط الإعلامية في كل من الخرطوم وتل أبيب، أن السودان يستعد للتوقيع على اتفاق تطبيع للعلاقات مع تل أبيب خلال الفترة المقبلة،  وأن اتصالات تجري  بين مسؤولين في البلدين بمساعدة أمريكية- حققت تقدماً ملموساً بين الجانبين بقرب التوقيع على ما تعارف عليه  (باتفاقات أبراهام). في وقت كشف فيه مصدر دبلوماسي رفيع لـ(الصيحة) أن الخرطوم وتل أبيب لم يحدِّدا بعد، موعداً قاطعاً للتوقيع على اتفاق إقامة علاقات  طبيعية بينهما، كما لم يحدِّدا تواريخ زمنية لزيارات متبادلة بينهما خلال الفترة القادمة. غير أن ذات المصدر لم ينف الاتجاه لتوقيع اتفاق وذلك وفق ما يرى محلِّلون بأن الحكومة الحالية لا تملك تفويضاً يسمح لها  بتوقيع اتفاقيات مصيرية كهذه، نظراً لحساسية العلاقة والمواقف المحسوبة تاريخياً للشعب السوداني من القضية الفلسطينية.

علاقات جيِّدة

لكن صحيفة “هآرتس” وصفت العلاقات بين القيادة السياسية الأمنية الإسرائيلية مع السلطات العسكرية في السودان بالجيِّدة، وأنها أحيت جهود التطبيع من جديد. ويأتي التصريح باقتراب التوقيع على اتفاق التطبيع على خلفية الزيارة التاريخية  لوزير الخارجية الإسرائيلى ايلي كوهين، للخرطوم رفقة وفد رفيع ولقائه بالقيادة العامة للقوات المسلحة برئيس المجلس السيادي ووزير الخارجية المكلف السفير علي الصادق خلال زيارة كانت سرية لكنها سرعان ما سيطرت على الوسائط الإعلامية، وكما هو معلوم فإن تصريحات رسمية صدرت عن مجلس السيادة ووزارة الخارجية أشارت للزيارة  التي استمرت يوماً واحداً، قالت إنها  لسبل إرساء علاقات مثمرة مع إسرائيل وتعزيز آفاق التعاون المشترك بين الخرطوم وتل أبيب في مجالات الزراعة والطاقة والصحة والمياه والتعليم لاسيما في المجالات الأمنية والعسكرية.

وجهات نظر

وواجهت الزيارة  واللقاءات التي صاحبتها تلك الخطوة  موجة من وجهات النظر بين الرفض  لحيثيات يعتبروها تاريخية ومواقف ثابتة وأخرى مؤيدة ترى من حق السودان أن يبحث عن مصالحه ويتخلى عن دفع فواتير مناصرات شعوب أخرى خصماً على شعبه الذي يعاني أوضاعاً اقتصادية قاسية، وترى فئة أخرى أن الحكومة الحالية  انتقالية لا يمكن أن تلزم البلاد بمثل تلك القرارات والعلاقات.

فلاش باك

في العام 2021م، انضم السودان إلى البلدان العربية الأخرى التي طبَّعت علاقاتها مع إسرائيل وهي: الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب اتفاقات أبراهام  أو الاتفاقات الابراهيمية . وجرت معظم  الصفقات بين الخرطوم وتل أبيب، التي عُقد سراً وهي اتفاقات صاغتها واشنطن، وذلك بعد سلسلة من الاتصالات والمحادثات التي شاركت فيها الخرطوم وتل أبيب وجرت بوساطة أمريكية وإماراتية مكثفة. وقد بدأت تلك المحادثات تتخذ طابعاً جدياً بعد فترة وجيزة من الإطاحة بعد ثورة ديسمبر التي أطاحت بنظام الإنقاذ. حيث سعت الحكومة الانتقالية وتحديداً الشق العسكري  أن يكون حريصاً على أن يكون شريكاً في نظام إقليمي قائم على أمن إسرائيل.

لاءات الخرطوم

قبل 58 عاماً، استضافت الخرطوم في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، المكلوم، بعد حرب، جراء النكسة  القمة العربية 1967،  هى قمة عرفت بقمة الصمود والثبات والعزم التي لا تنكسر. وفي تلك القمة، أعلن الأمراء والرؤساء العرب -وباتفاقٍ تام- “لاءاتهم” الثلاث: “لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل،  وحسب محلِّلين فإن لاءات الخرطوم  رغم بروزها كموقف متشدِّد إلا أنها  تبطن إلى حد ما، الرضى  بالأمر الواقع وتقبل الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي القائم بالفعل، وموافقة ضمنية على التوصل لمجرَّد ترتيب سياسي لا يرقى إلى معاهدات السلام الرسمية، والرغبة في التماس وساطة الجهات المعتبَرة. لم يكن حكام الخرطوم، بحكم طبيعتهم، عازفين تماماً عن إسرائيل.

مثلث الأزمات

مثّلت الأزمات الاقتصادية، والسعي لنيل رضا الولايات المتحدة، ومحاولات التطابق مع التحالفات الإقليمية، واتباع السياسات الخارجية النفعية دفعت الشركاء في الحكومة الانتقالية السودانية بـ”تطبيع” العلاقات مع الكيان الصهيوني في إطار خطة السلام التي أعدها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، المسماة “صفقة القرن”، اللقب الذي ابتكره لها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو.

تخفيف الأزمات

البعض يرى أن الهدف من وراء استكمال التطبيع هو تخفيف الأزمة الاقتصادية  القاسية ولتحقيق الاستقرار في مجال، وكان أول لقاء للبرهان بنتنياهو في عنتبي بترتيب من الرئيس اليوغندي يوري موسفيني في فبراير من العام 2020 ورعاية إمارتية، ووجدت الخطوة حينها ترحيباً من الإدارة الأمريكية السابقة ثم جرت محادثات سرية هنا وهنا، كانت نتيتجتها إعلان دونالد ترامب، أن السودان سيكون الدولة العربية الثالثة التي تقوم بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بعد الإمارات العربية المتحدة والبحرين، كجزء مما يسمّى “الاتفاقيات الإبراهيمية” التي رعتها إدارته.  وأعقبت واشنطن الخطوة فى ديسمبر  من ذات العام  بإلغاء اسم السودان  رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

اعتراض ولكن!

قوى الحرية والتغيير أبدت اعتراضاً على خطوة وظهرت بوادر اختلاف في وجهات النظر القوى العسكرية التي اتخذت موقف  التطبيع العلاقات مع إسرائيل والقوى المدنية الشريكة في الحكومة الانتقالية، على رأسهم رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك،  باعتبار أن مثل هذه القرارات الاستراتيجية  يجب أن يقول الشعب كلمته في  مسألة التطبيع وأن الحكومة الحالية هي حكومة انتقالية ليس لديها صلاحيات اتخاذ متل هكذا قرارات, فيما تمسَّكت بعض أحزاب قوى الحرية والتغيير كالبعث والأمة بالرفض القاطع للتطبيع وكان تبرير المطبعين هو البحث عن مصالح السودان أولاً.

لمسات أخيرة

مراقبون يرون أن زيارة كوهين تهدف لوضع اللمسات الأخيرة للاتفاق المرتقب تحت الرعاية الأمريكية كخطوة استكمالية لاتفاقيات أبراهام رغم بروز جدل كثيف، سيما وأن الأوضاع الهشة التي يعيشها السودان في الوقت الراهن غير مناسبة لإقامة علاقات مع تل أبيب على قدر كبير من الحساسية، وفي ظل وجود رفض كبير من قبل قوى سياسية لمبدأ التطبيع.

خطوة أخيرة

يقول السفير والخبير الدبلوماسي الصادق المقلي: إن ظهور إسرائيل بشكل علني وبتمثيل دبلوماسي ممثلاً في وزير خارجيتها ايلي كوهين، الذي زار الخرطوم قبلاً سراً، وبحضور رصيفه السوداني يؤكد المضي في خطوات التطبيع،  واعتبر الزيارة تأتي خطوة أخيرة لاستكمال الخطوات السابقة التي بدأت سرية وانتهت بزيارة وزير الخزانة الأمريكي تيفن نوتشين، في العام 2021 والتقائه بالمسؤولين في الحكومة الانتقالية حينها،  ويضيف السفير أن أمر عقد اتفاق بين البلدين يعتبر ضرورياً غير أن البرهان لايملك بمفرده إتمام الاتفاق خاصة وأن اتخاذ مثل هذه الخطوات يتطلب وجود مجلس تشريعي مناط به المصادقه على الاتفاقيات الدولية، ورأى أن انتقال المباحثات من السر للعلن تؤكد حرص المكوِّن العسكري _ افتراع مفاتيح الحوار _على استكمال التطبيع مع إسرائيل تحت الرعاية الأمريكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى