حامد نحوله يكتب : نقطة تحوُّل الاتفاق الإطاري الحالي

 

30  يناير 2023م

إذا ابتعدنا عن الخلافات الشخصية (الشخصنة)، سنجد أنّ ما قدّمه “الاتفاق الإطاري” من برامج مفصّلة وعملية في عدد من القضايا السياسية المهمة، هو بمثابة جهد دؤوب وجاد، يمثّل نقطة تحوُّل في نمط العلاقة بين جميع المكونات والأحزاب السياسية، من جهة، وسلوك الفاعلين السياسيين، من جهة أخرى!

هي، في حدود ما نراه أمامنا من الخلافات بين الشركاء السياسيين، نجد فيها هذا الاتفاق الإطاري المحدّد المنظّم في توصيف الانسداد السياسي، وتحديد الأولويات والأهداف، ثم الخطوات العملية في أبرز الملفات الوطنية الرئيسية. فمثل هذا الجهد استغرق وقتاً طويلاً من التحضير والإعداد، وساعات عمل متواصلة مع طاقم الوسطاء، للوصول إلى صيغة توافقية لخطّة عمل في هذه المجالات.

حتى المُعارضة السياسية بألوانها وأطيافها المختلفة، لم تستطع أن تقدّم برامج عملية وواقعية تجاه المشكلات والملفات الرئيسية التي تُواجهها البلاد، فبقي طرحها أقرب إلى الطابع الخطابي الإنشائي منه إلى تقديم رؤى عملية واقعية، وبرامج يمكن تطبيقها، لا مجرّد أفكار عامة، يجد مَن يطرحها نفسه أول من يتخلّى عنها فيما إذا أصبح في موقع صنع القرار!

لا يعني ذلك المُوافقة على كل ما جاء في الاتفاق الإطاري والقبول به، فهو يعكس رؤى مجموعة من الأحزاب لكي يتوافقوا على تصوُّرات وحلول وإجراءات عملية للملفات والمشكلات التي تواجهها البلاد. لكنّها تظل تمثّل مرحلة متقدّمة غير مسبوقة في العمل السياسي التوافقي، يتجاوز الجدل التقليدي العقيم بين القوى السياسية والذي يتمحور بـ”المعارضة السلبية” للسياسات الحكومية دون تقديم بدائل عملية وواقعية؛ وهو ما تمّ كسره اليوم عبر الاتفاق الإطاري.

قيمة الاتفاق لا تقف عند هذا الحد، إذ أنّ ما شكّله من صيغة جديدة في العمل الجاد، أي التوافق على البرامج والرؤى بين كل الأحزاب السياسية في عملية المشاركة، بدلاً من الطابع الهلامي الشخصاني الهش الذي يسم الكتل المعارضة حالياً قد أحرج الجميع، فبدأت الكتل غير الكبيرة تفكّر في تشكيل ائتلافات صغيرة، وطرح برامج عملية شبيهة بالمبادرة، وترسيم العلاقة مع الحوارات على أساس مدى التوافق والاختلاف حول هذه البرامج، ما حرّك “المياه الراكدة” في الراهن السياسي وخلق تحديّاً للآخرين.

نجح الاتفاق إلى الآن في فرض مجموعة من القضايا الجوهرية على الطاولة، مثل حقوق أبناء الهامش، وموضوعات توسيع قاعدة المشاركة العادلة والإصلاح الإداري، كما بشأن الزراعة والتعليم والنقل العام. ويعلن أصحابها النواب بوضوح أنّ محدّد علاقتهم بالحكومة يتمثّل في مدى التزامها بالتفاهمات مع المُبادرة على البرامج المطروحة، والخريطة الزمنية لتنفيذها. وهي أيضاً ظاهرة جديدة في الحياة النيابية السودانية، بخلاف نمط التصويت والعلاقة السابق، إذ كان يقوم حصرياً على العلاقة النفعية -الخدماتية بين الحكومة والمكونات السياسية، بسبب انسداد الأفق السياسي سيئ الصيت والذكر، الذي قتل الحياة السياسية من الوريد إلى الوريد!

ثمّة ملاحظات نقدية للمبادرة تُوجِّهها أوساط نيابية، في مقدمتها، إنّها تعتمد على نمط من العلاقات مع مؤسسات الدولة الأخرى، يتجاوز قبّة الخلاف، ويستقوى بمراكز القرار الأخرى. وكان الأصل أن يبدأ الاتفاق الإطاري عمله من أروقة عبر تشكيل كتلة أو اختلاف من الكتل، ثم تتحاور مع بعضها وواقعيتها من هذا الموقع لا موقع “المفروض” من الخارج.

بالرغم من وجاهة هذا النقد، إلاّ أنّ ما يُبرِّر للمُبادرة المصرية هذا النمط الجديد هو ضعف بنية المبادرة، وركزت الحسابات الشخصية عليه، إلاّ أنّ ذلك بالضرورة لا يبرر عدم تحوُّل المبادرة إلى كتل وأحزاب صغيرة، مستقبلاً لا تحقق أهداف المبادرة، ربما تمتد خارج القبة إلى الأوساط السياسية، لتكون نواة لفريق أو حزب سياسي جديد مختلف في المشهد الوطني، بالرغم من أنّ هناك مسافات طويلة أمام تحقيق هذا الاختراق في مقدمتها المصداقية والتماسك والإنجاز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى