واشنطن للخرطوم.. العصا طريقاً للخيار المدني

واشنطن للخرطوم.. العصا طريقاً للخيار المدني

تقرير- مريم أبَّشر

كثفت الولايات المتحده ضغوطها على حكومة الأمر الواقع الحالية باتجاه دفعها لإعادة الحكم الديموقراطي، وتشكيل الحكومة المدنية التي يطالب بها الشعب السوداني، بعد أن أعادت إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر العام الماضي، الحكم العسكري إثر الإطاحة بحكومة حمدوك، وظلت واشنطن طوال العام المنصرم ترسل مناديبها وتدفع مبادرات من أجل تقريب شقة الخلاف بين العسكر والمدنيين، فيما اصطلح على تسمية سياسة الجزرة، غير أن كل الجهود باءت بالفشل جراء تمسُّك الأطراف بمواقفها حيث يحرص العسكر والقوى السياسية الموالية له على البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة رغم الحديث المتكرر عن رغبته في الابتعاد، فضلاً عن استمرار مظاهر العنف ضد المتظاهرين السلميين، في وقت تتمسَّك فيه قوى الثورة بمطلبها القاضي بابتعاد الجيش عن العمل السياسي وتركيز جهوده في حماية أمن البلد واستقراره وما بين الموقفين العسكري والمدني اختلط حابل السياسة بنابل الأمن والاقتصاد وأطبقت الأزمات بتلابيب المواطن الذي باتت تحاصره، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، ورغم ذلك ظلت القوى الثورية متمسكة بمطالبها التي قامت ثورة ديسمبر لأجلها.

تغريدة العصا

بالتزامن مع مرور عام على ما أسماه “بانقلاب العسكر” في السودان كتب وزير الخارجية أنتوني بلينكن خطاباً قال فيه : منذ عام تقريباً، أطاح الجيش السوداني بحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وخرق الإعلان الدستوري السوداني، وقوَّض التطلعات الديموقراطية للشعب السوداني.
في هذه الذكرى الحزينة، نكرم الشعب السوداني الذي يواصل المطالبة بالحرية والسلام والعدالة في ظل حكومة ديموقراطية، ونتذكر أولئك الذين ماتوا وهم يسعون لتحقيق هذه الأهداف. لقد أظهر الشعب السوداني نفسه على أنه لا يتزعزع في تطلعه إلى حكومة يقودها مدنيون تظهر الاحترام لكرامتهم وتستجيب لاحتياجاتهم.
إن الاستعداد المستمر للمتظاهرين السودانيين، غالبًا في مواجهة القمع العنيف من قبل قوات الأمن، للتظاهر دعمًا لإنهاء الحكم العسكري هو أمر ملهم للغاية.
ترحب الولايات المتحدة بالمبادرات الشاملة لإيجاد مخرج من الأزمة السياسية في السودان ينهي الحكم العسكري ويعيد الانتقال الديموقراطي في البلاد. وأضاف بلينكن: نواصل دعم الآلية الثلاثية للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) ونحث جميع الأطراف السودانية على إعطاء الأولوية للمشاركة البناءة في الحوار.
ومضى قائلاً: إن الوقت جوهري للتوصل إلى اتفاق حول إطار انتقالي جديد وحكومة يقودها مدنيون للمضي قدماً في التحوُّل الديموقراطي في السودان.
وزاد: إن تحقيق حكومة جديدة بقيادة مدنية هو المفتاح الذي يفتح المجال لاستئناف المساعدة الدولية.

ترهيب

وقال بلينكن: إن بلاده على استعداد لاستخدام جميع الأدوات المتاحة لنا ضد أولئك الذين يسعون إلى عرقلة التقدم نحو التحوُّل الديموقراطي في السودان.
وجدَّد التأكيد لقوله فعلنا قبل عام، نواصل رفض الحكم العسكري والوقوف إلى جانب شعب السودان في مطالبه بالحرية والسلام والعدالة لجميع السودانيين.

لا تراجع

الولايات المتحدة وبريطانيا والرباعية بالمجمل ظلوا يساندون الحكم المدني في السودان ويقفون ضد الحكم العسكري الذي قوَّض حكومة الفترة الانتقالية و ظلت الولايات المتحدة الأمريكية عبر سفيرها جودفيري منذ تسلمه مهامه في كل اللقاءات التي يعقدها مع القوى السياسية منفردة أو مشتركة مع العسكر يؤكد على مساعدتهم للنظام المدني الديموقراطي، كما أفاد ذلك القيادي بحزب الأمة الأصل وقوى الحرية والتغيير المحامي آدم جرجير، وربط استئناف المساعدات بعودة الحكم المدني غير أن آدم، لفت إلى أن واشنطن كانت في فترة سابقة عندما رأت تشتت مواقف القوى السياسية لوَّحت بأن الاستقرار في السودان مهم أمنه وأمن المنطقة الإقليمية، وذلك في إطار سياسة العصا للقوى السياسية، وأضاف: الآن وبعد أن أثبت الشارع أن لا تراجع عن استعادة المسار الديموقراطي وعودة الحكم المدني بات كل المجتمع الدولي يقف إلى جانب المطلب الشعبي، واعتبر آدم خطاب وزير الخارجية بلينكن يأتي في سياق سياسة العصا، برهن أي تعاون مع الحكومة بقيام نظام حكم مدني، خاصة وأن حكومة الأمر الواقع شرعت في إعادة كوادر النظام البائد للخدمة المدنية .
وجدَّد القيادي بحزب الأمة أن العمل باتجاه إيجاد تسوية قطع شوطاً بعيداً وأن العسكر أكدوا ابتعادهم عن السلطة وتسليم الحكم للمدنيين، وأضاف: إذا مضت الأمور كما ينبغي يمكن أن تصل الأطراف إلى اتفاق خلال أسبوع، لكنه أبدى تخوُّفاً من ما أسماه عراقيل قد تأخر التوصل لاتفاق من قبل بعض القوى المتمترسة خلف مواقف متشدِّدة واستخدام مزيد من العنف من قبل السلطات الأمنية ضد المتظاهرين من الشباب.

تطابق مواقف

مراقبون يرون أن واشنطن من أوائل الدول التي وقفت وساندت بقوة الثورة السودانية منذ بداية انطلاقة شرارتها وحتى تتويجها بسقوط نظام الإنقاذ الذي ناصبته العداء في ثورة ديسمبر وكانت من أوائل الدول التي رحبت بالتغيير وساندت بقوة حكومة الفترة الانتقالية برئاسة حمدوك، وعملت خلال أقل من عام على رفع جميع القيود التي فرضتها على حكومة الإنقاذ برفع اسمه من قائمة الإرهاب وإلغاء العقوبات الاقتصادية، غير أن إجراءات أكتوبر أعادت عقارب الساعة للوراء. يروا أن خطاب بلنكن يأتي متسقاً مع السياسة الأمريكية التي تبحث عن مصالحها في السودان، بيد أن مصالحها التي لن تتحقق إلا في وجود حكم مدني تطابقت مع ما تنشده قوى الثورة وشبابها وهو ما يزال يدفع الروح ثمناً له.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى