منى أبو زيد تكتب : البِت سُعَاد..!

21سبتمبر2022م

“إذا كان المال يعني الثراء، فإن الديون تعني المال أيضاً”.. كاتب إسكندنافي لا أذكر اسمه..!

قبل سنوات صدر في دولة الإمارات، قانونٌ يسمح بعدم سجن المُدين إذا كانت قيمة الدَّين تقل عن عشرة آلاف درهم، وينص على إلغاء العقوبة لحالات بعينها، مثل كبار السن والقُصَّر، والمصابين بأمراض مزمنة، والنساء اللاتي توفي عنهن أزواجهن، والحوامل إلى حين بلوغ الرُّضَّع الفطام.. وهو جهد نوعي لأنسنة القوانين ودعم لمؤسسات المجتمع في تنوير طبقة ذوي الدخل المحدود بمآلات الاستجابات العاطفية للعروض المغرية التي تعلن عنها بعض بنوك بلادهم بكثافة وإلحاح..!

بالتزامن مع صدور ذلك القانون في الإمارات، بدأت ظاهرة مصرفية جديدة تغزو مجتمعنا المحلي تحت مسمى “قروض الزواج”، روّجت لها بنوك وباركها شبابٌ كُثُرٌ من المقبلين على الزواج، لا لتأثيث عش الزوجية أو دفع النفقات الضرورية ـ كما قد يتبادر إلى أي ذهن نمطي – بل لمجاراة أسعار تكلفة الولائم وإيجار الصالات وسيارات الليموزين ومراكز التجميل..!

وهي – كما ترى – إحدى الصور الاستهلاكية التي غزت سلوكنا الجمعي وباتت حالاً تستحق الدراسة، فمُعظم الأسر السودانية المحسوبة على الطبقة المتوسطة تعيش اليوم بمنهجية الأقساط والديون لبناء مظهر اجتماعي يفوق مستوى الدخل الحقيقي، والسبب هو – بكل نزاهة وصراحة وشفافية – رضوخ معظم الرجال لمطالب معظم النساء..!

فطموح الحبيبات والخطيبات والزوجات المتطلبات هو الوجه الآخر لتاريخ ديون الأسرة، والدليل على ذلك أن قيمة القربان – كسبب رئيسي للقبول أو الرفض – بقيت حاضرة على مر العصور، كلما تقدّم رجلٌ للزواج من امرأة، منذ عهد قابيل وهابيل وحتى آخر زيجة قبل نهاية التاريخ..!

بعض الأضابير تؤكد أنّ المُعاملة بالديون نشأت في عصر الفراعنة والسومريين، عندما كان ميزان العدالة وقتها في أيدي النساء، كما يظهر جلياً في مُعظم الحفريات والصُّور والنُقوش القديمة التي تُؤكِّد أنّ مآسي أبطال الأساطير اليونانية وقعت حينما كان ميزان العدالة ـ أيضاً ـ في أيدي النساء..!

وفي الأدب العالمي شواهد كثيرة تشد من أزر هذا المعنى، فلولا إصرار بسانيو على الزواج من بورشيا ابنة الدوق بالمونت في مسرحية “تاجر البندقية” لشكسبير، لما اضطر صديقه انطونيو لاقتراض المال من المرابي شايلوك.. ولولا لعنة جوليا زميلته في العمل، لما تعرّض سميث بطل رواية “1984” لجورج أورويل للعقاب بدلاً منها..!

ولولا “ركزة” العاشق” في حضرة البت سعاد، أيقونة المرأة الحلم في رائعة عمر الطيب الدوش، ولولا إصرار البت سعاد نفسها على ازدراء الخاطب الذي لا يملك من أسباب سعة العيش ما يُؤهِّله للصمود تحت سياط الأزمات الاقتصادية، لما أصبحت الأقساط هي الوجه الآخر لسعة العيش في السودان..!

 

هي محض افتراضات لا ترتقي لمراتب القناعة.. ولكن بعيداً عن مبدأ السببية.. وبعيداً عن تورُّط المرأة في “تأنيث الإعسار”، تبقى الديون في مجتمعنا – محدود الإنتاج كثير الاستهلاك – القاسم المشترك الوحيد والطريف في علاقة الغني بالفقير.. مع فارق سهلٍ مُمتنعٍ، مفاده أن الأول يتفنّن في إغراقها، بينما يبقى الثاني غارقاً فيها..!

 

 

 

[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى