شكا منها الأشخاص ذوي الإعاقة .. غير لائق طبياً.. الأزمة  

 

تحقيق: انتصار فضل الله  14  اغسطس 2022م

شكا عدد من الأشخاص ذوي الإعاقة من تحديات ومشاكل تعترض حياتهم، جراء عدم المساواة وانعدام فرص التعليم والتوظيف، وقالوا     لـ(الصيحة)، ظلت وما زالت جملة “غير لائق طبياً” عقبة تعرقل حياتهم وتقف سداً منيعاً في طريق التقدم والعمل والاستقرار، مما يتطلب مناهضتها على مستوى الدولة والإعلام،

وناشدوا بحظر التمييزعلى أساس الإعاقة في مجال العمل والتعليم، وتعديل أو إلغاء ما يوجد من القوانين واللوائح والممارسات التي تشكل تمييزاً ضدهم .

أزمة حقيقية

“سهام” في العقد الثالث من العمر، تعاني إعاقة سمعية وحركية، تلقت تعليمها الأساسي في أحد المعاهد الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، بعد عدم قبولها في التعليم العام الحكومي والخاص .

واصلت دراستها إلى أن جلست لامتحان الشهادة الثانوية وأحرزت نسبة (77%)، كانت ترغب في الالتحاق بواحدة من الجامعات السودانية لتعلم أسس اللغة العربية من ثم الدخول في سوق العمل .

تحطمت أحلامها بعد دخول الجامعة فقد واجهت أزمة حقيقية، في تلقي الدروس وشرحها من قبل المحاضرين، إذ أن الجامعة لم  تعيِّن متخصصين في لغة الإشارة للقيام بترجمة المحاضرات لذوي الإعاقة.

تقول لـ(الصيحة) : لم تكن بمفردها تعاني فقد ضمت الجامعة عدداً مقدراً من الطلاب من ذات الفيئة ظلوا يتقاسمون المعاناة وعدم الاهتمام والنظر إلى وضعيتهم بعين الاعتبار،

رغم ذلك لم تقف مكتوفة الأيادي فقد قررت تخطي المرحلة والالتحاق بمعاهد متخصصة في مجالها وبالفعل ثابرت وانتصرت في معركتها مع التعليم لكن أزمة ما، كانت تنتظرها في مكاتب المؤسسات التي ولجتها للتوظيف، حيث الرفض المستمر للطلب، ليست حالة سهام نادرة بين الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان ففي دواخل كل فرد منهم قصة مؤلمة.

أهمية الإدراك بالحقوق

 

فضَّل محمد  من ذوي الإعاقة الإشارة إلى حالة سابقة أنموذجاً، تتعلق بطرد التلميذة تسنيم حسين، من مدرسة خاصة بسبب الإعاقة الحركية بمحلية الخرطوم منطقة جبرة.

 

قائلاً: كانت (الصيحة) قد أوردت قصتها قبل أربعة أعوام، من لسان جد الطالبة الطاهر وقيع الله، الذي أفاد أن حفيدته تعرضت للطرد بسبب الإعاقة وفصلها من المدرسة بعد تسجيلها في بداية العام الجديد بحجة أن القرار صدر من رئيس مجلس الإدارة والتي يترأس إدارتها وزير سابق.

وأضاف محمد، أن تسنيم ليست الحالة الوحيدة إنما سبقتها عدة حالات طرد لمعاقين، وتلتها سلسلة أخرى ما زالت مستمرة مما أدخل الكثيرين في حالة نفسية تحوَّلت إلى عقد مع مرور الوقت يصعب معالجتها.

 

يقول محمد لـ(الصيحة) فشلت كل القوانين والاتفاقيات في إنصاف ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تستغلهم الحكومات أبشع استغلال ولا تعرف قيمتهم إلا حال الانتخابات، داعياً إلى ضرورة ان يدرك ذوي الإعاقة حقوقهم كاملة من خلال الاطلاع على الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين.

أرقام واتفاقيات

حسب تقرير أصدرته جامعة الدولة العربية والإسكودا سنة 2018م، يعتبر السودان من أكبر الدول العربية من حيث عدد الأشخاص ذوي الإعاقة  بنسبة (4.8%)

ووفقاً للتعداد السكاني الخامس لعام 2008 وهو آخر تعداد، بلغ جملة عدد السكان في السودان (30,894,000)، وبلغ عدد الأشخاص ذوي الإعاقة حسب ذات التعداد (985 854 1) بنسبة (4.8%) من إجمالي عدد السكان.

 

في 25 أبريل 2009م، صادق السودان على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) وبروتوكولها الاختياري، ومنذ ذلك التاريخ شهدت قضية الإعاقة في السودان حراكاً كبيراً على المستوى الرسمي والشعبي، بذلت خلاله جهوداً متباينة في مجال السياسات والتشريعات وإنفاذ البرامج والمشروعات وإنشاء وتقوية الأُطر المؤسسية في سبيل تعزيز حقوقهم في كافة مناحي الحياة.

 

يقول الخبير الوطني ياسر سليم لـ(الصيحة)، وفر الإطار القانوني في السودان نوعاً من الحماية للأشخاص ذوي الإعاقة بدءاً بالدستور، حيث نصت وثيقة الحقوق في الدستور الإنتقالي لسنة 2005م، على حماية وتعزيز جميع  حقوق الإنسان لجميع المواطنين بمن فيهم الأشخاص ذوي الإعاقة.

 

ويضيف: كما أن هنالك مواد أخرى تم النص فيها صراحة على حقوقهم، حيث نصت المادة (12-2) على عدم التمييز في التمتع بحق العمل بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة كما نصت المادة (44-1) على ضمان حق التعليم لهم.

 

قانون 2017م

 

المادة (45-1) نصت بحسب الخبير الوطني، على تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بجميع الحقوق والحريات العامة وحقهم في المشاركة العامة، مشيرا أن دستور السودان لسنة 2005م، اعتبر الإتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة جزء من وثيقة الحقوق الواردة بالدستور

 

يقول سليم، قامت الدولة بمراجعة قانون المعاقين 2009م، ومن ثم قامت بإصدار قانون جديد “قانون الأشخاص ذوي الإعاقة القومي لسنة 2017″م، الغرض منه توفير إطار قانوني وطني يضمن تمتع المعاقين بحقوق الإنسان والحريات العامة على قدم المساواة مع الآخرين، إشتمل القانون على معظم الحقوق التي تضمنتها الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الاعاقة، كما نص على ترفيع المجلس القومي للأشخاص ذوى الإعاقة ليكون تحت إشراف رئاسة الجمهورية.

 

لكن سليم يؤكد أنه على الرغم من الجهود التي بذلت في القانون الجديد فيما يتعلق باتساقه مع الاتفاقية الدولية غير أنه مازال يركز على نهج تقديم الخدمات بدلاً عن التركيز على المنهج القائم على حقوق الإنسان، وأغفل الكثير من الحقوق الأساسية منها حق المساواة أمام القانون بالإضافة إلى حق العيش المستقل.

 

حق التعليم

 

نص دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، على أن “التعليم حق لكل مواطن وعلى الدولة أن تكفل الحصول عليه دون تمييز على أساس الدين أو العنصر أو العرق أو النوع أو الإعاقة” كما نص  الدستور على إلزامية ومجانية التعليم في مرحلة الأساس.

 

كذلك قانون تخطيط التعليم العام وتنظيمه لسنة 2001م، ينص على إلزامية التعليم للأطفال ” على أن يكون لكل طفل سودانى يبلغ السادسة من عمره الحق في أن يتلقى تعليمه فى مرحلة الأساس” بالرغم من أن هذه النصوص تؤكد على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم إلا سليم يقول أنها لم تنص صراحةً على الحق في التعليم الشامل،

موضحاً أن قانون 2017م، ينص على أن للأشخاص ذوي الإعاقة الحق في التعليم دون تمييز بالمساق أو التخصصات العلمية بما يتناسب مع نوع الإعاقة بما يحقق مقاصد الدمج، كذلك ينص على “تأهيل وتنمية قدرات ذوي الإعاقة الشديدة أو المزدوجة متى اقتضت مصلحتهم، وذلك عن طريق  إنشاء مؤسسات خاصة”، أيضاً ينص القانون على” دمج الطلاب من الأشخاص ذوي الإعاقة مع أقرانهم من غير الأشخاص ذوي الإعاقة في مناحي التعليم. يؤكد سليم أن الإطار القانوني لا يستوفى التزامات السودان في ما يتعلق بالحق في التعليم الشامل وفقاً لما جاء في الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، كما لايدعم تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة الخاص بتحقيق التعليم الشامل والعادل للجميع بمن فيهم الأشخاص ذوي الإعاقة.

مخالفات في إنشاء المدارس

يقول سليم، استناداً على النصوص المذكورة قامت حكومة الإنقاذ بإنشاء مدارس خاصة للأطفال ذوي الإعاقة الذهنية بولاية الخرطوم في كلٍ من كرري وأمبدة والخرطوم والخرطوم بحري، كذلك في بعض مدن الولايات مثل مدني، سنار، دنقلا، كسلا وبورتسودان.

يواصل: قيام هذه المدارس فيه مخالفة صريحة لما نصت عليه الاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، والتي تلزم الدولة بأن تستثمر جميع الموارد المتاحة في الأعمال التدريجية للحق في التعليم الشامل للجميع بما فيهم الأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك من خلال إجراء التغييرات اللازمة في القوانين، السياسات، الثقافات، والممارسات المؤسسية، بالتالي فإن الحق في التعليم الشامل غير قابل للإنفاذ من الناحيتين القانونية والإدارية ويسمح بالتمييز والاستبعاد على أساس نوع ودرجة الإعاقة.

يلاحظ د.ياسر سليم أن هنالك استبعاد متكرر للأشخاص ذوي الإعاقة من مدارس التعليم العام بسبب إعاقاتهم، أما الذين يحصلون على تعليم فإنهم يحصلون عليه في المدارس والمعاهد العزلية ومعظمها مدارس أهلية لا تتلقى دعم من قبل الدولة ويتم الالتحاق بها على النفقة الخاصة.

معاناة على مستوى الأساتذة

يقول سليم يعاني الطلاب ذوي الإعاقة من التمييز حيث يحرَمون من دخول عدد كبير من الكليات والأقسام العلمية، ويتم على سبيل المثال قبول الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية فقط في بعض الأقسام النظرية التي يفترض أنها لا تحتاج إلى قدرة بصرية، مما نتج عنه تركز معظم ذوي الإعاقة البصرية في كليتي الآداب والقانون.

ويضيف لا تتاح لطلاب من ذوي الإعاقة المواد العلمية والكتب والمراجع بطريقة “برايل ” أو مسجلة على وسيط صوتي، فيجب عليهم تحويل المادة العلمية من الشكل المرئي إلى مادة مطبوعة بطريقة مسموعة وهو مكلف جداً، متابعاً هذا بالإضافة إلى ما يواجهه هؤلاء الطلاب من تهكم وغلظة من الأساتذة عندما يجدون طالباً ذوي إعاقة بصرية يقوم بتسجيل المحاضرات صوتياً، بالإشارة إلى صعوبات تواجه ذوي الإعاقة البصرية عند الامتحانات حيث لا يجدون شخصاً يكتب لهم أجوبة الامتحان في بعض الأحيان وأحياناً أخرى يجدون من يكتب لهم ولكن تتأثر الإجابات بسبب عدم وضوح خط الكتبة .

وأشار ياسر إلى معاناة أخرى إذ أن موظفي المكتبات لا يجيدون أساليب التعامل الصحيحة مع ذوي الإعاقة ولا يرشدونهم، بالإضافة إلى الغياب التام للغة الإشارة والتقنيات المساعدة، هذا بالإضافة إلى وجود الحواجز المادية التي تعيق وصول الطلاب ذوي الإعاقة إلى قاعات الدراسة، وطالب بمراجعة جميع التشريعات ذات الصلة بإنفاذ الحق في التعليم والتأكد من مواءمتها مع الإتفاقية، وتشمل التشريعات قانون تخطيط التعليم العام وتنظيمه لسنة 2001، قانون التعليم العالي لسنة 1990 وقانون الأشخاص ذوي الإعاقة القومي لسنة 2017، على أن تنص صراحةً على الحق في التعليم “الشامل”.

 

فرص العمل

اشكاليات عديدة تسببت في جانب توظيف ذوي الإعاقة في السودان أشار إليها د.راشد التجاني سليمان ناشط في مجال الإعاقة والأمين العام السابق لمجلس الأشخاص ذوي الإعاقة ولاية الخرطوم،  بعضها قانوني وتنفيذي في مجال السياسات وبعضها توعوي اجتماعي في مجال التوعية بقضايا ذوي الإعاقة ومقدرتهم على أداء كافة الأعمال،

في الجانب القانوني قال د.راشد لـ(الصيحة): الاتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة نصت على عدم التمييز في توظيف ذوي الإعاقة وتعتبر استبعاد ذوي الإعاقة من وظيفة أو أي عمل بسبب الإعاقة انتهاكاً، بالتالي الاتفاقية طالما صادق عليها السودان أصبحت جزءاً من الدستور السوداني وهي صيغة أعلى في مجال القوانين ينبغي أن تتواءم كل القوانين الداخلية في السودان مع هذه الاتفاقية.

يوضح د.راشد ، استمد نصوص القانون الاتحادي لذوي الإعاقة لسنة 2017 والقانون الولائي لسنة 2016 من الاتفاقية الدولية وقد أعطت القوانين نفس الحقوق في التوظيف وعدم الاستبعاد بسبب الإعاقة لكنه يتأسف لوجود قوانين أخرى موجودة تتناقض مع هذا القانون، مشيراً إلى أن قانون العمل في السودان حتى الآن يبيح للمخدم جهة العمل فصل الشخص بسبب عدم اللياقة الطبية، وهو ما يعتبر خطأ في التفسير للنص، موضحاً أن الأشخاص ذوي الإعاقة لا تشملهم اللياقة الطبية، لأن حالتهم تعتبر شكل من أشكال التنوع البشري وليست مرض يعد من الأمراض التي تدخل في عدم اللياقة الطبية.

أخطاء في قانون العمل

شدَّد دكتور راشد، على تغيير قانون العمل وإلغاء نص ” غير لائق طبياً ” صراحة لأن الإعاقة لا تدخل فيه ويعتبر الشخص ذوي الإعاقة غير لائق طبياً أصلاً لأن قانون الأشخاص ذوي الإعاقة ينص على إذا حدثت لشخص إعاقة أثناء عمله لا يفصل، بل يحوَّل إلى وظيفة تتناسب مع إعاقته، مطالباً بضرورة توحيد القوانين.

حسب إشارات د. راشد، توجد نصوص قانونية تفسر خطأ في توظيف ذوي الإعاقة مثلاً: قانون 2017 نص على تحديد نسبة (2%) على الأقل من الوظائف تطرح لذوي الإعاقة، فالخطأ في جانبين الأول يعتقد البعض أن النسبة المحددة هي الحد الكافي لذوي الإعاقة بالتالي يتم حرمانهم من إتاحة فرص أخرى، غير أن نسبة (2%) تضمن لهم حق المنافسة في نسبة (98%) المتبقية من الوظائف الأخرى، ثانياً: تحسب نسبة (2%) من الوظائف المطروحة الآن مثلاً إذا طرحت وزارة التربية والتعليم مائة وظيفة للمعلمين نصيب ذوي الإعاقة وظيفتين فقط، وهذا خطأ في فهم نص النسبة لأنها يجب أن تحسب من مجمل الوظائف الموجودة في الوزارة المعينة.

يؤكد راشد وجود إشكاليات في التفسير والفهم حيث هناك تنميط لبعض الوظائف يحكم عليها مسبقاً أنها لا تنفع لذوي الإعاقة ويحرمون منها مثل وظائف الشرطة والجهات العسكرية والطبية، وهو تمييز نمطي غير سليم، إذ توجد وظائف داخل هذه المؤسسات يستطيع ذوي الإعاقة ممارستها، ففي الأجهزة العسكرية توجد وظائف خاص بالتوعية والإرشاد والتوجيه المعنوي،

داعياً إلى تغيير النظرة الاجتماعية السالبة للأشخاص ذوي الإعاقة وفكرة أنهم لا يستطيعون أن يؤدوا الكثير من الأعمال، قائلاً: هم قادرون على كل شيء ويقدمون مبادرات أكبر لما أتاهم الله من تعويض للحواس التي فقدوها لكن قد يكون هناك مسؤولاً لديه هذه النظرة السالبة فيحرم ذوي الإعاقة من التوظيف، بالتالي لا بد من إتاحة فرص أخرى في التنمية الذاتية أو لتمكين الذاتي والوظائف المبنية على مشاريع ذاتية تموِّل وتيسِّر لهم.

قضايا بطرف مجلس المعاقين

تدور داخل أروقة المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة بالخرطوم العديد من الاجتماعات واللقاءات بين الأمين العام وأصحاب وجعة من ذوي الإعاقة يواجهون حالياً مشاكل عدم التوظيف وغيرها من المشاكل والتحديات.

دلفنا إلى مقر المجلس لأكثر من مرة وأجرت (الصيحة) العديد من الاتصالات للجلوس مع المسؤولين وفي كل مرة نخرج بوعود دون تحديد زمن حتى نشر هذا التحقيق رغم ذلك ما زال الباب “متاكى ” إذا أنهم لم يرفضوا المقابلة بشكل قاطع ولكن يبدوا كثرة المشغوليات.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى