Site icon صحيفة الصيحة

سفير السودان لدى الاتحاد الأوروبي السّابق نجيب الخير عبد الوهاب لـ(الصيحة): (1 – 2)

المدنية تتطلّب وجود جسم مدني مُتماسكٍ وقادرٍ على مُجابهة التحديات الماثلة

أوضاع السودان الراهنة لا تحتمل فترة انتقالية طويلة

تطوُّرات الإقليم والأسرة الدولية تتطلّب جسماً انتقالياً مقبولاً وطنياً وإقليمياً ودولياً

لم ينجح السُّودانيون للوصول إلى تسوية عبر التفاوُض المُباشر

السودان أصبح جُزءاً من الصراع الإقليمي والدولي وأصبحت أوضاعه أشبه بقضايا مضيق هـــرمـــز

الأمن الإقليمي عُنصرٌ أساسيٌّ يُؤخذ في الاعتبار في التشكيلة الانتقالية

نجيب الخير عبد الوهاب هو أحد الدبلوماسيين السُّودانيين الذين شغلوا مناصب مُهمّة في حاضرنا السِّياسي، وله مُشاركات ومُساهمات إقليمية ودولية مُعتبرة من خلال المُنظمات الدولية التي انتسب إليها في فترةٍ من فترات حياته العملية كمنظمة الفاو وغيرها من المنظمات الدولية، بجانب ذلك كُله فَقَد أورثه عَمله الدُّبلوماسي كَسفيرٍ للسُّودان في العَديد من الدُّول والاتّحادات الإقليميّة والدُّوليّة خِبرات كَثيرة وإلمَامَاً باتّجَاهَات السِّياسة الدوليّة وكيفية إدارة تلك الدول للعلاقات الدولية التي لها من التأثيرات في المَشهد السِّياسي الدُّولي الكثير.. والبلاد تَمر بهذا المُنعطف التّاريخي المُهم كان لا بُدّ لنا في (الصيحة) من الجلوس للرجل لِمَا له من خبراتٍ دبلوماسيّةٍ وسياسيّةٍ كبيرةٍ من خلال عمله في المَحَافل الدُّوليّة المُختلفة وآخرها في الاتُحاد الأوروبي سفيراً ومُمثلاً للسودان، كُل ذَلك جَعلنا نسأل الرجل عن دَلالات الرَّاهن السِّياسي واتّجاهاته في ظِلّ المُتغيِّرات الدوليّة الكثيرة والكَثيفة، وما هي السيناريوهات المُحتملة جَرّاء كل تلك التّدخُّلات، وهل سَيُحَدِّد السودان خياراته الدوليّة والإقليميّة والوطنيّة، أم أنّ تلك التعقيدات قد تَعصف بمُستقبله، هذا..؟ وغيره الكثير من الإجابات والمحاور عبر هذا اللقاء:-

حاوره: عبد الله عبد الرحيم

تصوير: محمد نور محكر

كَيف تَقرأ المَشهد السِّياسي الرَّاهــــــــــن؟

من الصُّعوبة بمكانٍ إصدار حكم حول الوضع السِّياسي الراهن في غياب الإلمام بالأوضاع الإقليمية والدولية التي تُحيط بالسودان.. النظام البائد حينما غادر أورث السودان كمية من المشاكل مثل وجوده تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، باعتبار أنّه دولة تُشكِّل تهديداً للأمن والسلم الدوليين.. كما أورث الوضع البائد السودان بأنه دولة تُشكِّل دعماً للمُنظّمات الإرهابية، وبذلك هو الآن في قائمة الدول الراعية للإرهاب.. أيضاً ينظر للسودان بأنّه دولة تنتهك العدالة الدولية وقادته، على رأسهم المشير البشير، مطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية.. أيضاً أورث النظام البائد السودان بأنّه يحتاج لرقابة دوليةٍ لصيقةٍ أو من على البُعد، بخُصُوص مُمارسته في حقوق الإنسان، وبالتالي أصبح السودان جُزءاً أصيلاً من الرقابة الدولية لحُقُوق الإنسان.. أيضاً أصبح السودان بأنّه رأس الرمح لحركة الإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين التي تعتبرها العديد من دول الجوار الإقليمي بأنّه تنظيمٌ إرهابيٌّ ومُعادٍ للديمقراطية، الحكومة السَّابقة أورثتنا صِفَة التّلاعُب بين الأقطاب الدولية.. فالرئيس كَانَ مُتقلِّباً بين القطبين روسيا وأمريكا بطَريقة اللعب عَلى رُؤوس الثعابين.. وأيضاً النظام السابق أورثنا بأنّنا مصدر للقوة البشرية تُشارك في الحروب بين الأقطاب.. فمشاركة السودان في عملية استعادة الشرعية في اليمن جعلت السودان جُزءاً من الإقليم المُستهدف بواسطة إيران وحلفائها تركيا وآخرين، فهو يشكل جُزءاً من المُشاركين في اليمن.

ما علاقة ذلك كلّه بما نَعيشه الآن من مُتعرِّجات سياسية بالغة التّعقيد وتكاد أن تعصف بالمشهد السِّياسي؟

علاقة ذلك هو أنّ هذا الوضع أورث السودان الكثير من التّحديات، وفي ظل كل هذه الأوضاع سقط النظام البائد والآن الناس يحتاجون لترتيبات تنقلنا من سلطة الأمر الواقع إلى  سلطة التمثيل الشامل.. عملية الانتقال هذه تَحتاج لترتيباتٍ انتقاليةٍ ينبغي أن تفضي في نهاية الأمر إلى وَضع صندوق الاقتراع الذي من خلاله يُحدّد شعب السودان الجهة التي يَختارها لتحكمه.

وهل سيتدخّل الإقليم في تحديد هَوية الجِسم الذي سَوف تنتقل إليه السُّلطة في السُّودان؟

في ظِل الأوضاع والتّحديات التي ذكرتها، خاصّةً ونحن أصبحنا جُزءاً من الإقليم الذي فيه استهدافٌ كبيرٌ ما بين العالم الغربي وإيران أمريكا ولديها الكثير من التّحَالُفات، فالسُّودان أصبح جُزءاً من هذا الصراع والتصعيد، وبالتّالي فإنّ عملية الانتقال من سُلطة الأمر الواقع إلى التمثيل الشّــــــــــامل تحتاج إلى آليةٍ مُتماسكةٍ ومُوحّدةٍ وقَويةٍ وقادرةٍ على مُغالبة التّحديات السِّتة الكُبرى التي ذَكرناها، ومَطلوبٌ أن تتوافر في الآلية هذه الشُّروط في وُجُود السُّودان في إقليمٍ مُلتهبٍ، وفي ظِل أنّ السُّودان نفسه لديه التزاماتٌ تعاقدية بالعمل على استعادة الشرعية الدستورية في اليمن.. وهذا الوضع حمل إلينا صورة ماثلة الآن وهي أنّ الهوّة اتّسعت ما بين المجلس العسكري وقِوى إعلان الحُرية والتّغيير باعتبار أنّ العسكري لم يستطع أن يوافي الشروط والمُتطلبات الإقليمية والدوليّة بنقل السلطة إلى المدنيين.

ما العلاقة بين مُشاركة السودان في الحلف الإقليمي وتعقيدات الداخل؟

هذه هي الهوّة التي اتّسعت وأدخلت السودان في نفقٍ مُظلمٍ ومُتعرِّجاتٍ وتقاطعات كثيرة.. لَكن يَبقى أمر تَأخير انتقال السُّلطة من العَسكريين إلى المَدنيين هو الأَمر الذي أملته الأوضاع الإقليميّة والدُّوليّة الرّاهنة، الآن السُّودان مُستهدفٌ بَواسطة قوى وهي تعتبر أنّ السودان لديه مُشاركة في عملية تحرير اليمن وهو يُوفِّر المَورد البشري لهذه المعركة.. فهل تأخير انتقال السلطة هو نتاج هذا السبب، أم أنّ أمر انتقال السلطة مرهونٌ بتبلور جسم مدني يملك القُدرة على مُجابهة هذه المُهدِّدات المطروحة الآن في الإقليم.. وربما سأل وفد الترويكا المجلس العسكري، لمَ لم تنقلوا السلطة للمدنيين؟ وقد يقول العسكري إنه لم يتبلور حتى الآن جسم مدني مُتماسكٌ على مُجابهة التحديات الماثلة أمامنا من الأوضاع الموجودة في المنطقة العربية وفي الإقليم.

هناك من يقول إنّ ثمة أيادٍ أجنبية تقف خلف التعثر الذي تشهده عملية انتقال السُّلطة؟

وجود السودان ومُشاركته في عاصفة الحزم هي قبل ظهور العمل التحالُفي للسعودية والإمارات ومصر فيما يتعلّق بإعادة الشرعية في اليمن، فالقوة العسكرية الموجودة الآن في اليمن هي موجودة منذ زمن الرئيس البشير، وفي ذلك الوقت لم يكن الرئيس البشير على وُدٍّ وعلاقاتٍ طبيةٍ مع الإمارات ومصر والمملكة العربية السعودية.. فأوضاع البشير كانت مُتقلِّبة، ورغم ذلك واصل السودان التزامه في توفير موارد بشرية تُشارك في حرب اليمن وما زال يُشارك في إعادة الشرعية في اليمن.

هل تأخير انتقال السُّلطة من العسكريين إلى المدنيين هي مَــــــــــزَاج العَسكر أم أملته اعتبارات؟

نقول هي اعتباراتٌ أملته ظُرُوف الإقليم والتزامات السودان الراهنة تجاه الإقليم والأسرة الدلوية والتزاماته تجاه أمنه الوطني نفسه.. الأمر الثاني هنالك أيضاً تساؤلٌ كبيرٌ، فانتقال السلطة إلى المدنيين يحتاج وجود جسم مدني مُوحّد وله القدرة على مُغالبة التحديات.. الأوضاع هي ليست بهذه السُّهولة والآن انتقال السُّلطة من العسكريين إلى المدنيين هو مطلب الأسرة الدولية ومطلب وطني، لكن هذا المطلب مُرتبطٌ بشروط أساسية، أولها توافر جسم مدني متحدٍ، وثانياً أن يرضى بهذا الجسم المدني وبما ينتجه من حكومة الإقليم والأسرة الدولية وأن يُحظى بأن تكون له حاضنة سياسية وجماهيرية متماسكة ومعروفة.

لذلك جاء الصراع ما بين العسكري وقِوى إعلان الحُرية باعتبار أنّهم يمثلون الجماهير؟

الصراع بين الاثنين هو صراعٌ حول تقدير الحَاضنة السِّياسيَّة والجماهيرية لكل منهما، قِوى إعلان الحُرية والتّغيير يعتبر أنه يمتلك حَاضنة سياسية هي الشعب السوداني، ويمتلك حاضنة جماهيرية هي التي قامت بالثورة والحِراك داخل وخارج السودان وهي بالتالي تُشكِّل رصيده له كحاضنة.. المجلس العسكري أيضاً يعتقد أنّه يَمتلك حَاضنةً سياسيّةً تتمثل في الأجهزة الأمنية بكل مكوِّناتها، الدور الذي لعبه في اللحظة الأخيرة، فلو لا تدخُّله واعتقاله الرئيس البشير فالوضع كان سيكون مُستمراً كما هو عليه، ولذلك هذا الدور أعطى الجيش حاضنة سياسية ودوراً جماهيرياً، وبالتالي الانتقال من سُلطة الأمر الواقع إلى سُلطة التّفويض الشّعبي يَتطلّب شَراكة أساسيّة ما بين المجلس العسكري ومُمثلي الشعب السُّوداني.

لكن المجلس أكّد في أكثر من مَرّةٍ أنّه لا ينوي الاستمرار في السُّلطة والحكم.. وقال إنّه سينقلها للشعب ورَغم هذا مَا زالت التّقاطُعات تترى على السّاحة.. لماذا؟

السُّودان كَمَا ذكرت جُزءٌ من إقليم في تَقاطُعات كبيرة وكثيرة ما بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيران وحلفائها، والسُّودان يشارك في هذه الحرب وبالتالي عليه التزامات كبيرة عقدها في السابق بالاستمرار في المُشاركة في الحرب.. ولذلك فإنّ المجلس العسكري الآن يحسب حساباته وهي ترتبط بقُدرة التّشكيلة المدنية التي تتسلّم السلطة على مُجابهة هذه التحديات.

هو يُريد مثلاً أن يجد ضمانات تَجعل السُّودان قادراً على الإيفاء بالتزامَـــــاته الدوليّة والإقليميّة؟

نعم هذا هو الذي يُريده المجلس العسكري.

العسكري طَالَبَ قِوى الحُرية والتّغيير بإبراز التّفويض الشعبي حتى يكمل معهم التفاوُض، فهل هذا تلميحٌ بأنّ قِوى إعلان الحُرية والتّغيير لا يَملكون تفويضاً شعبياً؟

مَسألة الحَاضنة السِّياسيَّة والشعبيّة ومواعين التّفويض هي محل خلاف بين الطَرفين، فالمجلس العسكري يعتبر نفسه أنّه لا يحتاج لتفويضٍ، إذ فُرضت عليه الأوضاع أن يملأ الفراغ عقب سُقُوط المشير البشير وهي أوضاع لم يختارها، وبالتالي تفويضه أملته الأوضاع، وبالنسبة لقِوى الحُرية فإنّه يُعتبر أنّ التفويض منحته له قِوى التظاهرات الشعبية بالداخل والخارج، ومنحه له دِمَاء الشُّهداء التي سَالَت.. فالحواضن السِّياسيَّة هي أمر جدال ونزاع وبالتالي الأمر يبدو هل السودان بما يحمل من تحدياتٍ ومشاكل يَحتمل فترة حكم طويلة بلا تفويضٍ؟ وهل التحديات المَاثلة الآن يُمكن مُعالجتها دُون تفويضٍ شعبي؟ وهل حكومة التكنوقراط التي يجب أن تُشكّل يُمكنها أن تُعالج التّحديَات المَاثلة؟ الحَل يَكمن في تَقصير الفِترة الانتقاليّة فكل ما قَصرت الفترة الانتقالية وجاءت حكومة تحمل القُبُول الشعبي والوطني والإقليمي والدولي تستطيع أن تُواجه التّحديات.. استطعنا حل المُشكلات والتّحديات وهي يُمكن أن تمثل المخرج.. ولكن الأوضاع السودانية الراهنة لا تحتمل حكماً انتقالياً طويل المدى.

ولذلك جاءت مُبادرات كثيرة جداً حول هذه الفترة الانتقالية؟

مُعظم المُبادرات جاءت في إطار ملء الفراغ الدّستوري الذي يتضرّر منه السودان والإقليم والذي رُبّما يشكِّل تَهديداً، فالآن المنطقة كلها في حَالَة غليان.. فبالأمس إثيوبيا شَهِدَت حَالَة غَليان عَقِب الإعلان عن انقلابٍ فاشلٍ، وكذا المغرب في حَالَة غليان وغيرها مِن دول الإقليم.

حزب الأمة قدّم مُبادرة وأعلن فيها فترة انتقالية لا تقل عن العامين؟

في الحقيقة، نحن لا نربط الفترة الانتقالية بمواقيت زمنية مُحدّدة، وإنّما نربطها بمُعالجة التّحديات العَاجلة والمَاثلة التي لا تحتاج مُعالجتها لتفويضٍ شعبي.

هل يُمكن أن تحل في إطار تسيير المجلس العسكري لأمر البلاد الآن؟

ليست هناك حكومة الآن والمجلس العسكري يُدير المسائل العاجلة فقط وكل المسائل الكبيرة مُؤجّلة وهو غير مُعترفٍ به، وكل القضايا التنفيذية مُجمّدة الآن.. لذا السودان يحتاج لحكومة تُحظى بتأييدٍ دولي وإقليمي ومحلي.

كيف تنظر للمُبادرة الإثيوبية؟

هي إلى حدٍّ كبيرٍ حدّدت هياكل الحكم المطلوب، وقدّمت مُقترحات بشأن الأنصبة العسكرية والمدنية، وقد أبقت على ما خرجت به المُفاوضات.. فالمُبادرة الإثيوبية عبارة عن مقترحات للتفاوُض وليست مُلزمة لا للحرية والتغيير، ولا للمجلس العسكري، وأيِّ تَفاوُضٍ بين طرفين يَجب أن يَقُوم على مسودة تَفاوُض، وهي فقط عبارة عن مَسودة ولا تصبح اتفاقية حتى يُوقِّعها الطرفان.

وافقت عليها الحُرية والتّغيير ولكن اعترض عليها المجلس العسكري واشترط دَمجها مع الأفريقية؟

كما لمست من حديث نائب المجلس العسكري أنّ المُبادرة حتى الآن لم تتم مُناقشتها داخل المجلس العسكري، وذكر أنّه سَمِعَ بها من التلفزيون.

 

Exit mobile version