د. إشراقة مصطفى لـ"الصيحة "(1-2) حاولت في سيرتي أن أؤرخ لبعض الأحداث العامة

عرض المادة
د. إشراقة مصطفى لـ"الصيحة "(1-2) حاولت في سيرتي أن أؤرخ لبعض الأحداث العامة
تاريخ الخبر 30-12-2017 | عدد الزوار 6035

تجربة الكفاح التي صقلتني وهيأتني للصمود في النمسا

تمردت من زمن مبكر على الرقيب الذاتي

تجربة بيع السندوتشات نفسها سيرة قائمة بذاتها

د. إشراقة مصطفى كاتبة وشاعرة ومترجمة، وهي إحدى الناشطات في مجال حقوق الإنسان عموماً والمرأة خاصة ضحايا الإتجار بالبشر ، هاجرت إلى النمسا حيث تحصلت فيها على درجتى الماجستير والدكتوراه ..أصدرت كتبها " أنثى الأنهار "و"الدانوب يعرفني "و التي تحكي فيها سيرتها وتفاصيل حياتها لتسجل عبرها سيرتها وهي تشير إلى حوادث بالغة الخصوصية ورحلة كفاح بدأت بعد أن تلاشت الطبقة الوسطى بالسودان، وقد أشار النقاد إلى أن سيرتها الأدبية تتسم بالصدق النفسي .. في هذا الحوار تحدثت د. إشراقة عن المطبات التي اعترتها في حياتها بدءاً من ليلة الختان مروراً بالأسئلة الوجودية التي أرقتها كثيراً في حياتها، كما تحدثت عن الكثير المثير الذي تجده في ثنايا الحوار:

*إشراقة مصطفى مرت بمطبات كثيرة منذ نشأتها الأولى إلى أن أصبحت أكاديمية بجامعة فيينا بالنمسا .... ما الذي دفعك لتسجيل سيرة الجرح والملح والعزيمة في سفرك "أنثى الأنهار" ؟

المطبات الأولى بدأت منذ ليلة الختان ومرورًا بالأسئلة الوجودية الصغيرة التي كبرت معي وأرقتني كثيراً. معاناتي بدأت مع بدايات زوال الطبقة المتوسطة وهي معاناة يمكن النظر إليها في الإطار العام وانعكاسات ذلك على تجربتي الخاصة. دونت هذه السيرة بهدف الإسهام في بث الأمل في كل من يداهمه اليأس وانتصاراً للحياة بكل تجليات معاناتها في تجاربنا. لا أظن أنها تجربتي وحدي وإنما هي جزء من تجربة جيل تأثر بالواقع الاقتصادي والسياسي المحيط به. كتبت محطات من هذه السيرة وبدأت كتابتها من سنوات تعود إلى بدايات الألفية ولأني غير متفرغة للكتابة نتيجة لظروف المعايش لذا أكتب متى ما توفر الوقت، وبالطبع الطقس النفسي عموماً. حاولت في سيرتي أن أؤرخ لبعض الأحداث العامة وتجربة العمل السياسي الطلابي، وقد تكون مؤشراً لقياس التغييرات التي حدثت بالمجتمع كل حسب تعاطيه مع معطيات الواقع وتحليله له. كتبتها لأتحرر منها ولتنعتق مني وأن أقول فيها وعبرها أن لا مستحيل طالما الشمس تشرق كل يوم وأن السر في قوة الإرادة والصمود وراء الحلم والهدف والذي يمكن الوصول إليه بوضع خطة لأجل الأحلام التي لا تتحقق، ونحن نيام وإنما بالمثابرة والصبر والاجتهاد. رسالة إلى أجيالنا الجديدة أن يتلمسوا مكامن الطاقات في دواخلهم والإيمان بقدراتهم على التغيير والتي تبدأ من الذات. الإيمان بالقدرات هو الدافع إلى تغيير الواقع.

*قطعت أشواطاً في مجال العمل الإنساني بفيينا كما معروف عنك بأنك أكاديمية .. حدثينا عن عملك؟

- أشير إلى أن عملي بالجامعة غير متفرغ وعملت في جامعة سيغموند فرويد وجامعة سالزبورغ، ولكن عملي الأساسي يرتبط بالعمل الاستشاري في قضايا اجتماعية تختص بقضايا الهجرة والمهاجرين بدءا من مستشارة لدعم النساء ضحايا الاتجار بالبشر وليس انتهاء بوظيفتي الحالية كمستشارة في كلية الشباب بفيينا لدعمهم ومرافقتهم في طريقهم التعليمي والمهني. أقوم أيضاً بعملي كممثلة للأدب العربي بالقلم النمساوية ورئيسة منبر هجرة وأدب بلا حدود الذي بادرت به إبان إدارتي لبعض المشاريع الأدبية بالقلم.

*كتبت سيرتك الذاتية من خلال "أنثى الأنهار " و"الدانوب يعرفني " ما هي أهم الشخصيات التي دفعتك للكتابة؟

الشخوص التي التقيتها في دروبي وهم جزء من هذه السيرة والمسيرة الصعبة. شخوص منسيون أردت أن يكون لهم حضورهم كما كانوا في حياتي، شخوص نقابلهم في منعرجات حياتنا وتفاصيل تجاربنا ثم ننساهم ولكني حصنت نفسي ضد النسيان أو التناسي لكل من قدم لي ورداً أو شوكاً، عسلاً أو نحلاً يلذع حتى الموت. ما دفعني للكتابة ليست هي الشخوص فقط وإنما الأمكنة ودروب وحكايات وأزمنة التعب والحنين والأماني العظيمات المرتبطة بالحب والوطن. أردت أن أقول أيضا إن تجربة الكفاح التي صقلتني وهيأتني للكفاح والصمود والمثابرة في النمسا بدأت من السودان، بدأت من كوستي وصرختي الأولى ليلة الميلاد وعلى ضفاف بحر أبيض وسندي فيها الإنسان، الإنسان السوداني بكل ما فيه من جمال، حنية، تناقضات واتساق، وهذا لا ينفي أثر الإنسان في النمسا على حياتي وصقل تجاربي والأبواب العصية التي لم تصمد أمام عواصفي العنيدة.

* من أكبر المشكلات التي تعترض كتاب السير الأدبية أنهم يحاولون إخفاء بعض الأشياء من حياتهم والتي قد لا تعجب المحيطين بهم إذا حاولوا إظهارها. هل سبق أن اعترض أحد أفراد أسرتك أو حاول منعك من نشر كتاباتك؟

لا، لقد تمردت من زمن مبكر على الرقيب الذاتي أولاً ثم رقابة الأهل، لأن الكتابة هي حريتي التي أحب وأكون مسؤولة تجاهها. لم أستشر أحداً، وبالتالي لم أسمع اعتراضاً. بالتأكيد لم أكتب إلا فصول أو مراحل من سيرتي. ربما تحتاج مرحلة الطفولة كتاباً بحاله، وهذا ينطبق على مرحلة الدراسة، مرحلة الكتابات الأولى وحالاتها، اكتشاف الذات وصراعاتها وتصالحها، جنونها وصباباتها.

*عملت كبائعة ساندوتشات وأنت بالجامعة وتشاركت مع أخريات لقمة العيش الحاف. هل كان لإشراقة أن تنشر قصتها لو أنها ببلدها تكابد شظف العيش؟

الكتابة هي (سلاحي)، هي سلامي الداخلي وإحساس الانعتاق من عذابات الأسئلة الكونية التي شبت عن الطوق معي كما ذكرت. لا ينفك ضيقي إلا حين أكتب أو أفكر في الكتابة فتعتريني نشوة الخلاص. الحياة في أوربا أيضاً طاحنة بدرجات مختلفة، وقد لا أجد وقتاً كافياً للقراءة، وبالتأكيد يشمل ذلك الكتابة. تجربة بيع السندوتشات نفسها سيرة قائمة بذاتها ويمكن إن تفرغت لها أكتب عنها كتابًا، فملح تلك السندوتشات تعرف سره أمهات الرزق وكفاحهن اليومي لأجل الحياة. كنت منذ وقت بعيد أكتب بالأصح (أشخبط) جدران نصبت حول أحلامي وكلما (شخبطت) عليها انفرجت ابتسامتها عن (نفاج) وكوة نحو عتمتي وضوء الآخر.

*إشراقة مصطفى الناشطة بحقوق المرأة والمهتمة بقضايا النساء. هناك من يقول إن بداية اهتمامك بقضايا المرأة بدأ منذ ترويضك بالختان في بواكير طفولتك .. هل هذا الأمر صحيح؟

بالتأكيد لعبت هذه التجربة دوراً كبيراً في التأسيس للوعي بذاتي كامرأة وكانت مفصلية، ولكن أشير أيضاً إلى الأسئلة الأولى، أسئلة حاصرت بها جدتي عن العمل وقيمته، عن تعبهن، جداتي وأمهاتي لأجل الرزق، سؤال الإفقار وأسئلة حول بنات لم يذهبن للمدرسة رغم أن التعليم كان مجاناً. أسئلة حزن في عيني امرأة (تضفر) (البروش) ومع كل ضفرة تحل عقدة الصمت عن الكثير. إيماني بحقوق النساء لا ينفصل عن إيماني بحقوق الإنسان عموماً.

* في كتابك "الدانوب يعرفني " قال مقدم الكتاب خميس بن راشد العدوي إن الكاتبة رسمت سيرتها بالدمع حزينة وسعيدة. هل الشجن الذي تولده الغربة هو السبب في أن تخرج السيرة بهذا الأسلوب الشيق؟

منذ صغري كنت أبكي وأضحك في لحظة واحدة وكان أبي يسألني (بتعمليها كيف؟). الحياة كلها عبارة عن رحلة شجن لا فكاك منه إلا بالموت. أما سؤال الغربة فهو الآخر يحتاج إلى كتاب منفصل لأن الغربة لا ترتبط عندي بالمكان بقدر ما هي حالة شعورية انتابتني ذات خريف بعيد ماطر وتعاودني في الليالي المقمرة في الشتاء. لذا صلتي النفسية والوجدانية بالقمر قوية ومنذ الطفولة كنت أسافر في وجهه ويفتح لي أبوابه وألج عوالمه المتسمة بالبداوة وحالة الشجن التي تنفجر بحالات غربة ذاتية، الإحساس بالغربة في عالم لاهث وقاسٍ ومؤذٍ وأقدارنا أن نحب الحياة حتى إذا لم نستطع لذلك سبيلا.

*لك تجربة مع الشعر حيث أصدرت "أحزان شاهقة " و"أنثى المزامير " كيف تقيمين تجربتك مع الشعر؟

في الحقيقة صدرت لي خمسة دواوين شعرية: إضافة الى ما تفضلت به صدرت لي بالألمانية أول مجموعة شعرية (ومع ذلك أغني) في العام 2003 عن دار ملينا النسائية للنشر ووجد صدى واسع وتم تمييزه من مجلس الوزراء النمساوي ضمن خمسة عشر كتاباً صدرت في ذلك العام ثم (أنثى المزامير بالألمانية) 2017 عن دار لوكر وسبق أن صدرت بالعربية والألمانية بالقاهرة عن دار ميريت 2009 ثم و(أنجبتني الأعاصير) عن دار الريم بالسودان 2016 وأيضاً (وجوه الدانوب) بالألمانية ويحوي نصوصاً شعرية ونثرية عن دار لوكر في 2014. الشعر هو لهف روحي وبحثها الأزلي عن ماء في رهاب الحياة. الشعر عندي موقف ورؤية وانحياز للجمال. أتمنى أن تقيم التجربة بقلم سوداني ناقد أسوة بقراءات تمت ليس في النمسا وحسب بل كانت مجموعتي الأولى (ومع ذلك أغني) مشروع لبحث تخرج طالبة أسترالية بكلية اللغة الألمانية بجامعة سدني بأستراليا.

2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 5 = أدخل الكود