بيت مال (أم درمان).. حي تحاصره المياه والمخاطر (2ـ 3)

عرض المادة
بيت مال (أم درمان).. حي تحاصره المياه والمخاطر (2ـ 3)
تاريخ الخبر 13-09-2017 | عدد الزوار 86

(99%) من المنازل يهددها شبح الانهيار

مواطنة: هيئة الطرق والجسور سبب كارثة الحي

سوق (أم سويقان).. لم يبق منه سوى الأطلال

هل تؤتي تحركات معتمد أم درمان نحو معالجة المشكلة أكلها؟

أضحى فصل الخريف لسكان بيت المال مهدداً للحياة

تهاني: لا علاقة بـ(الشبكة القديمة) بطفح المياه

أم درمان: إنتصار فضل الله

فقد الطفل (أمجد) سبع سنوات وأقرانه فرصة اللعب بعيداً عن بقع المستنقعات والأوبئة وبات اللهو هناك شبه معدوم.. فأطفال حي (بيت المال) في محلية أم درمان وغيرهم يعانون مشاكل مركبة بين غياب المسؤولين وتدهور البيئة وانعدام البنية التحتية، ناهيك عن مشكلة المياه النابعة من تحت الأرض والتي طالت أغلب المنازل وهدمت بنيانها، إلى جانب النفايات المتواجدة على جنبات الشوارع، وغيرها من المشاكل التي وضعت السكان المقدر عددهم بـ(5) آلاف نسمة على حافة الهاوية.. رغم من أنه أحد الأحياء العريقة، إلا أنه على هامش الهامش فقد تحول إلى بؤرة تلوث يمتد أثرها إلى كل مناطق المحلية.

كارثة حقيقية

سنوات طويلة مضت على ظهور مياه نابعة من تحت الأرض (سقت) جدران المنازل الواقعة على الجهة الشرقية من المدينة، وفي العام (2012م ) بدأت المشكلة بصورة كارثية كظاهرة عمت أنحاء المنطقة، وظهر الخطر بشكل رسمي على المباني والأرضيات والأسقف، وتحولت المنطقة الواقعة على بعد أمتار من نهر النيل إلى نهر آخر لأنها مشيدة على سطح حوض مليء بالمياه من فوقه ألفا منزل، (99%) منها (مبللة) تماماً حسب حديث السكان، وخمسون منزلاً تم فيها انهيار كامل للمباني والحمامات وتشرد أصحابها، أما بقية المنازل فعلى الحافة تنبع من داخل غرفها المياه بشكل مخيف، زارت (الصيحة ) الأسر المتضررة والتقت عددا من السكان المقيمين داخل منازلهم فوصفوا الوضع بالخطير، ولم يحدث حتى في جزر (هاواي)، وأن تأثير المياه الكبير على الأطفال الذين يلعبون على أراضٍ يمكن أن تبتلعهم في أي لحظة.

خطر ممتد

طالت هجمة المياه منشآت عديدة منها الميادين المخصصة لكرة القدم، ونادي بيت المال المتنفس الوحيد لسكان المنطقة والمناطق المجاورة، وحولتها إلى أماكن مهجورة تهدد حياة من يقترب منها لامتلائها بمياه في حالة ازدياد مستمر، كما ساهمت في عملية مسح كامل لسوق (أم سويقان)، وهو من أقدم الأسواق، وكان يمد الولايات الأخرى بمختلف البضائع والأن لم يبق منه سوى الأطلال، وبعض من عيدان القنا السابحة على مياه السطح، ولقد تكونت بمرور الزمن مع تفاقم الكارثة غابات كثيفة ومخيفة وسط المدينة لدرجة يصعب على أصحاب المنازل بقربها دخول منازلهم لأن الأشجار الشوكية غطت المداخل، ولم يبق لهم سوى الحوائط لينفذوا من خلالها إلى داخل المنازل، وكما أفاد المواطنون أن المنطقة تواجه مشكلة عدم امتصاص المياه، ومن المتوقع تدمير كل المباني الصامدة الآن، والتي يصعب بيعها لأن أرضيتها غير صالحة للسكن .

خروج جماعي

أغلب السكان يفكرون بالخروج من المنطقة والبحث عن أماكن آمنة يقيمون فيها بعيداً عن المخاطر التي تحيط بهم، ففي هذه الفترة الزمنية من كل عام تزداد وتيرة اندفاع المياه المتسربة من تحت الأرض لتصيب بقية المنازل والمنشآت بالتشققات وتآكل الأرضية والجدران، ففصل الخريف بالنسبة لسكان بيت المال مهدد للحياة والأمن والاستقرار، وتنطلق فيه الأصوات التي تنادي بضرورة النظر إلى المشكلة بعين الاعتبار والمحافظة على مدينة الجمال ، فهناك حالة توجس وقلق تسيطر على الجميع فهم يتوقعون انهيار المنازل على رؤوسهم في أي لحظة، فالمشكلة بالنسبة للمواطنة (ست البنات الزين) التي تقيم في منزل آيل للسقوط مجهولة الأسباب، وقالت لـ(الصيحة): بالرغم من تعلية المنزل إلا أنه يمتلئ بالمياه النابعة عندما يزداد منسوب النيل، وحالياً غمرته بالكامل ويصعب حتى دخوله، لكنها لا تستطيع الخروج منه لعدم توفر بديل، كما شكت من وجود بئر تفيض منها المياه العذبة والنقية وتملأ الشوارع وتتوالد فيها الطحالب والعديد من الحشرات الناقلة للأمراض.

تلف الأثاث

وعلى بعد كيلو متر شرق النيل تقيم المواطنة (نادية علي حمدتو) في منزل مصمم على طراز عالمي ويحمل الرقم (437) ، تخرج من كل ركن فيه مياه أدت الى تلف الأساس والأجهزة الكهربائية وغيرها من الممتلكات، وبالرغم من أن المنزل على وشك الانهيار تظل نادية وأسرتها متمسكين به لعدم توفر مسكن آخر، وبنبرة حزينة أفادت أن المنطقة أضحت قاب قوسين أو أدنى نتيجة الإهمال وعدم المسؤولية، وتوقعت أن يتم محوها من خارطة الوطن خلال عام واحد، لأن المياه النابعة أسرع من المعالجات، خاصة أنها تصيب الأماكن المنخفضة، وأشارت لمخاطر المصاصات الموجودة في الشوارع والتي ساهمت في دخول المياه إلى بعض المنازل وأدت إلى هدمها دون تدخل من أي جهة لإنقاذ الموقف وتوفير الاستقرار للسكان.

توالد الأسماك

ثمانية وعشرون عاماً مضت على معاناة أسرة (اعتماد عبد السلام) داخل منزلهم رقم (584)، حيث أنه يمتلئ بالماء و(البعوض والحشرات والطحالب) وفي بعض الأحيان تتوالد أسماك صغيرة لدرجة أنها حدت من الحركة داخل المنزل، تقول اعتماد إن المياه التي تشاركهم السكن داخل الغرف ساهمت في تغير لون (طلاء) الجدران ولون (السيراميك)، وكخطوة لمعالجة المشكلة تعمل اعتماد وأسرتها على سحب المياه من داخل الحفر التي تكونت بواسطة مولد المياه الكهربائي (الموتور) على مدار اليوم الأمر الذي كلفهم صرفاً إضافياً على فاتورة الكهرباء، وناشدت معتمد أمدرمان وغيره من المختصين بالإصلاح والمعالجات المستندة على دراسات علمية لمشكلة (بيت المال ) حتى لا تنهار وتنتهي.

بلا فائدة

زار المنطقة إبان ظهور المشكلة كل المسؤولين من وزراء (البنى التحتية ووزير المياه والبيئة والغابات) وغيرهم ووقفوا على حجم الكارثة، وقد رفعت الملاحظات، وبناء على ذلك أجرى (كرسي ) اليونسكو دراسة طويلة في المياه السطحية بطلب من جهات الاختصاص، وقد تبين أن عمق المياه أربعة أمتار تحت الأرض، وبعد إجراء مسح ولقاء مع المواطنين عزت الهيئة المشكلة إلى ثمانية أسباب رئيسية أولها تآكل وتلف المواسير القديمة التابعة لأول خط مياه في السودان تم توصيله عام (1927م) تحت الأرض، وكما تقول المواطنة (تهاني) الناشطة في مجال خدمات الحي: تكونت لجنة برئاسة مياه المدن بخصوص المياه، وحالياً تم نزع (70%) من هذه المواسير، لكن الحال ما زال كما هو بل تفاقم كثيراً، واستبعدت أن يكون لمواسير الشبكة القديمة دور في طفح المياه، ودللت على حديثها بأن مواسير الشبكة القديمة ما زالت بخير وهي صلبة ومتماسكة لدرجة أنه استعصى على مهندسي الهيئة فك الصواميل المربوطة بها عند تركيب الخط الجديد.

إستغلال سيء

وتواصل (تهاني) موضحة أن الكارثة الحقيقية لمشكلة بيت المال تتمثل في شارع النيل، فمع بداية إنشائه تم إغلاق المسامات التي تقود مياه الأمطار إلى النيل من جانب هيئة الطرق التي اعتبرتها السبب المباشر للأزمة، وقالت إن شارع النيل من بيت المال وحتى نمولي توجد على أي خط (لشارع زلط) ميادين على الضفاف، وداخل أي حي يقع على شارع النيل يوجد ميدان ومن المفترض أن عمقه بين (4 ـ 5) أمتار تحت الأرض حسب الدراسات العلمية، غير أن (ناسنا الفالحين ) مسؤولين على مواطنين كما ذكرت قاموا بردم الميادين وحولوها إلى مساحات لكرة القدم، مما أدى إلى ظهور مثل هذه الكوارث، وأضافت: من ناحية جيلوجية الميادين المتنفس الطبيعي للحي والماء التي تنبع سببها وجود آبار عميقة على بعد ثلاثة أمتار تحت الأرض وهناك مسار صخري كون أسفل الميادين لتجميع المياه طبيعياً.

مشكلة سحب

وتواصل في الشرح مشيرة إلى أن المياه تظهر في البيوت من خلال (مجاري) الأمطارالكبيرة التي تغلق بواسطة بوابات رئيسية في فصل الخريف حتى لا يصل فيضان النيل ويدخل المنازل، واعتبرت (خور) كلس الذي يستقبل المياه من جبل طورية وأمبدات بالريف الجنوبي لأمدرمان عندما يأتي الخريف يغلق تماماً بفعل فاعل، وأول ما يتم إغلاق البوابة تظل مياه المنطقة في مكانها لتزيد (الطين بلة) ويظل المجرى مليئاً بالمياه الطافحة، ولا يتم سحبها إلا بأمر من سلطات المحلية التي تتجاهل القضية برمتها، وفي بعض الأحيان تأمر الشركة المعنية بالأمر بعدم سحب المياه من الخور إلا بعد هطول الأمطار، ليظل السكان عايمين في المياه، وقالت إذا تمت عملية (الشفط) المستمر فإن الخور سوف يملأ من المنازل ويفرغ في النيل، وأشارت إلى دور الشق العمراني في ظهور المشكلة حيث أن العمارات لقائمة حالياً تسببت في (تشقق) الصخور تحت الأرض وتأثر بذلك المجرى الطبيعي للمياه .

هزة أرضية

البعض من السكان أرجعوا أسباب المياه السطحية إلى الهزة الأرضية التي حدثت في تسعينات القرن الماضي، وحسب المحامي (رشاد) من سكان الحي بدأت مشكلة المياه من سوق أمدرمان ومن ثم إلى مدينة الملازمين وساهمت الهزة الأرضية في توسعها واستقرارها (ببيت المال)، حيث وجدت المواسير القديمة المتهالكة والتي لم تلغ حتى اليوم، وقال: ما لم يفعل قانون جديد للبيئة وتفرض غرامات وأحكام لن ينصلح الحال في بيت المال، نظرًا لأن أسباب الأزمة من ثلاثة أجزاء (آبار ـ ومصاصات وسايفونات) بالإضافة إلى مواسير الهيئة، ولفت إلى أن بعض المنازل المهجورة تحولت لأوكار للجريمة وتشكل خطورة على سلامة السكان، بالتالي فإن الأمر بحاجة إلى قرار رئاسي وليس قرارات محلية تأتي من فترة إلى أخرى .

خطأ فادح

واتفق المواطن (أمجد أحمد الحسن) الذي يقيم في منزل تهدده المياه في شمال شرق بيت الزعيم الأزهري، مع حديث (المنقولي) وأكد على أن سبب غرق المنطقة بالمياه هي الآبار الجوفية المحفورة في المنطقة، إلى جانب الخطأ الذي ارتكبته الهيئة بتوصيل شبكة مياه جديدة دون إغلاق الخطوط القديمة وهذا الخطأ الفادح لا تريد الهيئة الاعتراف به ومعالجته حتى تنهي سيناريو بيت المال المؤلم، كما أشار إلى الأخطاء الهندسية في (مجرى كلس) مما أدى الى عدم انسياب المياه، هذا الحديث أمن عليه عضو اللجنة الشعبية بالمنطقة (أحمد سنهوري) مؤكدا على حجم الأضرار النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي لحقت بالسكان جراء الظاهرة الغريبة، وأنهم كجهة تشرف على خدمة الحي فقد اقترحوا سحب المياه من المنازل عن طريق الطلمبات الغاطسة الخاصة بالمكيفات الهوائية كعلاج مؤقت للأزمة.

خطوة متأخرة

بعد سنوات من العذاب ..أخيراً تحرك معتمد محلية أمدرمان (مجدي عبد العزيز) وعقد اجتماعاً طارئاً قبل يومين لتكوين غرفة طوارئ خاصة بالمياه السطحية كما أسماها في كل من ود نوباوي والموردة وبيت المال، وشكلت لجنة مكونة من سلاح المهندسين والبيئة والبنية التحتية والمعتمد نفسه والمجاري والصحة وكلام كثير، في النهاية تم وضع برنامج إسعافي لكل وحدة من المناطق المتضررة المهم في الأمر أن المعالجات سوف تنفذ حسب الأولوية، وهذه الخطوة المتأخرة اعتبرها البعض بالجيدة وتمنوا أن توتي أكلها.

0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 3 = أدخل الكود